الجمعة 08 صفر 1442 - 25 سبتمبر 2020 - 03 الميزان 1399

بيروقراطية العمل الإداري .. وقتل النجاح

بيشي القرني

البيروقراطية بمعناها اللغوي هي الأسلوب والنهج الذي يربط علم الاجتماع والسياسة ويستخدم القوة والسلطة في تطبيق الأنظمة والقوانين التي لا تراجع وتحدَث أبداً، والهدف من هذا النهج هو إدارة شؤون المجتمع بكل طبقاته وشرائحه وتسييرهم على ذات المسار مهما اختلفت أو تباينت حالاتهم الفردية.

 المعنى اللغوي بهذا الشرح لايعني أن البيروقراطية دائماً تكون سلبية بل إنها في الشأن السياسي يكون وجودها خياراً استراتيجياً في بعض الحالات وتحت ظروفٍ خاصة وذلك لضمان إدارة المجتمع وتطبيق سياسية معينة توافق التركيبة الثقافية والاقتصادية لهذا المجتمع. لكننا هنا لانتحدث عن هذا المعنى اللغوي بل سيكون موضوع مقال اليوم حول المنهج البيروقراطي الإداري المشتق من البيروقراطية الاجتماعية والسياسية بمعناه اللغوي. 

البيروقراطية في العمل الإداري تأخذ معظم سمات البيروقراطية الأم بمفهوم اللغوي ولكنها في حال الإدراة لا يمكن أن تكون ايجابية أو مقبولة على الإطلاق وتحت أي ظرف، حيث أنها تقتل الطموح وتضخم وتعقد الأنظمة والأجراءات ولاتقبل المرونة ولا نقل الأدوار والصلاحيات وتطيل مسار العمليات الداخلية للمنشأة وترفض فكرة تطبيق المعرفة الإدارية وهي بذلك تلغي فكر الأنسان وأعطاءه فرصة التغيير والتطوير والإبتكار وتربطه بما تنص عليه القوانين والإجراءات حرفياً ولا تسمح له بتطوير وتحديث واقتراح طرقاً أخرى تناسب التطور المعرفي والتقني وتحقق أعلى درجات جودة الأداء والاستخدام الأمثل للموارد وضمان صقل وتطوير قدرات ومهارات القوى العاملة في هذه المنظمة.

ذكر البيروقراطية في الإدارة والعمل المؤسسي يقض مضاجع جميع مدراء ورؤساء المؤسسات والجهات العامة والخاصة الذين قضوا سنوات طويلة من الخبرة واكتسبوا مهارات التطوير الاداري وذلك لأنهم يؤمنون بأن العمل الإداري الذي تتربع البيروقراطية على رأسه لايذهب بالآمال والطموحات بعيداً وسيعرقل نجاح وتحقيق أهداف المنشأة ويقيد سرعة الإنجاز و كفاءة العملوسيهدر الكثير من الموارد ويزيد الأعباء على الإدارات العليا للمنشأة أو للجهاز الأداري الأكبر لهذه المنشأة.

الألماني ماكس فيبر هو أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث وإدارة المؤسسات العامة هو أول من تناول موضوع البيروقراطية وعرفها بمفهومها السياسي في المقام  الأول وأوجد نماذج مثالية للسلطة  خلال إداراة موسسات الدولة(سلطة ملهمة، سلطة تقليدية، وسلطة قانونية) ورغم أنه كان متمسكاً بهذا النهج للعمل الإداري البيروقراطي إلا أنه قد كان يعلم ويدرك سلبيات هذا النهج وانعكاساته على الأفراد من حيث تمسكهم الحرفي في بنود القوانين وكذلك اكتفائهم بالحد الأدنى من الأداء المطلوب وتولد تقافة التهرب من اتخاذ القرارات والمسؤولية وبحث البدائل المحدودة ضمن نص القوانين والانظمة.

العمل الاداري البيروقراطي يقتل روح المبادرة والتحسين لدى الجهات والأفراد ويجعل الأفراد يلقون باللوم على الأنظمة عند كل فشل دون النظر إلى امكانية إحداث الفرق وحساب قيمة ونتائج التحسين والتطوير في حال تم ذلك. وليس سراً أن نقول أن معظم أجهزتنا الحكومية الخدمية تعمل بهذا النهج البيروقراطي بل تفشى هذا النهج الإداري ليصل إلى ثقافة ونمط حياة الأفراد لتتوارث الأجيال هذا السلوك في إدارة شؤون حياتهم وبذلك يتأثر المجتمع بالصفات السلبية لهذا النهج.

و يعرّف هارولد لاسكي البيروقراطية " بأنها حالة تصل إليها المنظمة التي يسيطر عليها بشكل قانوني يصعب تعديله حتى لو تعارض مع مصالح حيوية لاتقبل المناقشة فهي في تحليله تعكس حالة من حالات إساءة استعمال السلطة وهي كلها انتقادات موجهة لنظرية البيروقراطي، .وحسب هذا التعريف فإن الموظفين لا يعنيهم تحقيق الإدارة لأهدافها بل كل همهم التهرب من المسئولية والتقيد بنصوص اللوائح كما هي تماماً دون أي مرونة حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.

ولإصلاح ما افسدته بيروقراطية الإدارة فقد نشأ علم ما يسمى بإدارة التغيير أو الإدارة المعرفية والتي يمكن تعنى في استغلال الخبرات التراكمية السابقةلدى الافراد خلال عملهم الاداري بنهج بيروقراطي وتلخيص تجاربهم ومرئياتهم واعطاهم فرصة التوقف عن العمل حسب بنود النظام والانتقال إلىالعمل على اصلاح وتطوير بنود النظام وإعادة تصميم العمليات وتقليل مرحلها ومتطلبتها وبضمان لعدم الاخلال بالاهداف والمسارات الاساسية للعمل الاداريثم العودة مرة أخرى إلى العمل حسب البنود المتطورة والحديثة. 

قد نفتقد ثقافة إدارة التغيير في بعض جهات الحكومية للآسف، فمدراء مؤوسساتنا القدامي تشبعوا بيروقراطية على مدى سنوات يصعب عليهم أن يقتنعوا بنقلة النوعية التي ستنشئ من تفعيل هذه الثقافة. اعتقد واجزم في اعتقادي لو أن كل مسؤول حتى لو كان يظن إن منظومته خالية من اي توجه بيروقراطي اعطى للموظفين هذه الفرصة في مراجعة مسار العمل الاداري وإعادة تصميم نظم الإدارة لتفاجئ بالنتائج التي ستظهر والتحسن الكبير في جودة العمل وتقليل نسبة الخطأ الذي كانت تسببه ثغرات الانظمة السابقة ذات النهج البيروقراطي.
 

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

Sultan عجيب ان تنظر الى ان سوق الاسهم على انه امتص سيوله استثماريه...
يوسف الشريف عزيزي انا اعمل منذ 25 عام في مجال الاستشارات الاقتصادية...
ابراهيم الشمري المشاكل الكثيره التي يعاني منها سوق العمل من سوء توطين...
محمد العامري هذا النظام اساء كثيرا لسمعة المملكه في الخارج بالاضافه...
خالد الحربي باختصار اي مشروع تجمع سكاني لن ينجحه الا السكان سواء...

الفيديو