الجمعة 07 ربيع الأول 1442 - 23 أكتوبر 2020 - 01 العقرب 1399

الاقتصاد التركي .. مؤامرة أم فشل؟

أحمد الخطيب

لا يمكن النظر للتراجع الكبير في الليرة التركية مؤخرا بدون العودة الى الأحداث السياسية والاقتصادية التي أدت إلى تغيير تركيبة الاقتصاد التركي في السنوات الخمس الأخيرة سواء من ناحية طريقة اتخاذ القرار أو من ناحية التوجهات والأولويات لدى صانع القرار وهو في حالة تركيا شخص واحد لا منافس له.

تم انتشال الاقتصاد التركي بعد انهياره نهاية التسعينات بمساعدة من صندوق النقد الدولي وعبر تنفيذ خطط إصلاحية متقدمة وضعته على سكة النمو والتطور لسنوات طويلة (سبق أن كتبت مفصلا عن تلك المرحلة). شملت تلك الإصلاحات جميع جوانب الاقتصاد من استقلالية المؤسسات الى الشفافية في اتخاذ القرارات بالإضافة الى الخطط المستقبلية الواضحة مما رفع من ثقة المستثمرين الأجانب بالاقتصاد التركي الى مستويات مرتفعة جدا فتدفقت رؤوس الأموال الى تركيا ودارت عجلة الاقتصاد محققة مستويات نمو ممتازة حيث زاد حجم الناتج المحلي التركي أكثر من 3 مرات خلال الفترة من 2002 الى 2008. في بداية الأزمة المالية العالمية انكمش الاقتصاد التركي كما حصل في معظم دول العالم لكنه عاد للنمو في السنة التالية نظرا للقوة التي كان يتمتع بها. كان سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية حينها يساوي 1.5 ليرة وكانت الحكومة التركية تسدد قرض صندوق النقد الدولي بانتظام وبلا أي مشاكل.

استمر نمو الاقتصاد التركي في السنوات التالية مستفيدا من انخفاض أسعار النفط ومن استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية التي وجدت في تركيا فرصا استثمارية لم تتوفر في بلدان أخرى، وترافق ذلك مع سياسات انفتاحية تجاه الدول الأخرى على مستوى سهولة الإجراءات والقوانين مما جعل تركيا تستفيد بشكل كبير من خروج الأموال  من دول الربيع العربي حتى وصل النمو التركي الى ذروته في عام 2013 ببلوغ الناتج المحلي الإجمالي 950 مليار دولار.

يعتبر عام 2013 هو المنعطف الفعلي للتوجهات الاقتصادية التركية بسبب عدد من الأحداث والاستحقاقات. ظهرت في 2013 فضيحة فساد اتهم فيها عدد من المسؤولين الحكوميين وأعضاء في الحزب الحاكم. هزت تلك الفضيحة تركيا مما أدى إلى ردات فعل حكومية وتغيير مسؤولين بالإضافة الى تغيير بعض القوانين لضمان عدم خروج أشياء مشابهة الى العلن قبل إمكانية السيطرة عليها. اتهم أردوغان حليفه السابق فتح الله غولن وأتباعه بأنهم يقفون خلف ما حصل وأن ذلك كان بهدف الانقلاب على الحكم. في نفس الوقت كان اردوغان يدخل سنته الأخيرة في رئاسة الوزراء حسب النظام البرلماني القائم حينها وكان من المتوقع أن ينتقل إلى منصب رئيس الجمهورية ذو الصلاحيات المحدودة ومن هنا بدأ تنفيذ المخطط لتحويل تركيا إلى نظام رئاسي بصلاحيات شبه مطلقة لرئيس الجمهورية وكان هذا المخطط بحاجة الى الفوز تدريجيا بعدة انتخابات واستفتاءات تسمح بتعديل الدستور، وهو ما حصل نهائيا في 2018.

الرابط لتلك الأحداث مع التطورات الاقتصادية هو أن النمو بدأ يتراجع والضغوط تتزايد سياسيا وأمنيا نظرا لدخول تركيا في الأزمات المحيطة بها مما عرضها الى توترات أمنية داخلية فبدأت الليرة التركية بالتراجع حيث تخطت مستوى 2 لأول مرة أمام الدولار مترافقة مع زيادة في مستوى التضخم. كان أردوغان قد أعلن أن تركيا قامت بسداد كامل مديونيتها لصندوق النقد الدولي وأضاف أن هناك مباحثات كي تقوم تركيا بإقراض الصندوق، وهو في الحقيقة ليس قرضا بل مساهمة في رأس مال الصندوق مثل الدول الأخرى.

لم يكن ممكنا الدخول الى انتخابات واستفتاءات متتالية لتغيير نظام الحكم في ظل ضغوط اقتصادية فلجأت الحكومة منذ ذلك الوقت الى السياسات القصيرة الأجل عن طريق زيادة الإنفاق وتسجيل عجوزات سنوية في الميزانية بدلا من بناء الاحتياطيات لدعم العملة عند الحاجة بالإضافة الى تسهيل الاقتراض داخليا وخارجيا فاستفادت الشركات والبنوك التركية من أسعار الفائدة المنخفضة عالميا في ظل التيسير الكمي القائم انذاك في امريكا فأصبحت تقترض من الخارج بعملات أجنبية وفائدة منخفضة وتمنح القروض بالعملة المحلية وفوائد أعلى. لم يكن إجمالي الدين الخارجي في تركيا وقتها يتجاوز 200 مليار دولار مقارنة مع 466 مليار دولار حاليا.

مع تحقيق نسب النمو المرتفعة كان الفوز بالانتخابات لا يشكل مشكلة كبيرة للحزب الحاكم لكن ذلك كان على حساب ارتفاع التضخم وزيادة العجز في الميزان التجاري وتراجع مستمر في سعر الليرة. من المهم أيضا الإشارة أنه تم تدريجيا إبعاد رموز الفترة السابقة والاستعاضة عنهم بجيل جديد يتميز بالولاء على حساب الخبرة الاقتصادية.

كان التركيز على النمو المرحلي يتم الاستفادة منه محليا لكن على مستوى الاستثمار الخارجي وثقة المستثمرين كانت قد بدأت علامات استفهام وتخوفات من التغيير في السياسات الاقتصادية وطريقة اتخاذ القرارات لأنه لم يعد سهلا على المستثمر الأجنبي توقع استقرار الاقتصاد التركي مستقبلا.

بدأت تحذيرات المحللين والمؤسسات الدولية في عام 2016 تدور حول عدم إمكانية الاستمرار بنفس السياسات الاقتصادية للمدى البعيد بسبب زيادة التوترات السياسية التي دخلت فيها تركيا وعودة النفط للارتفاع بالإضافة الى وصول التضخم الى مستويات مرتفعة جدا مع تزايد في نسبة البطالة التي تخطت 10%. لم تؤثر تلك التحذيرات في سياسات تركيا بل زاد الصرف وتضاعف حجم الدين الخارجي الذي أصبح يتم بفوائد أعلى من السابق مع انتهاء عمليات التيسير الكمي ومع نهاية عام 2016 كان سعر صرف الليرة أمام الدولار قد ارتفع الى أكثر من الضعف في 5 سنوات حيث وصل الى مستوى 3.5. وكان 2016 قد شهد محاولة الانقلاب وتوابعها من القبض على الاف الاشخاص والسيطرة على الكثير من المؤسسات المحلية والذي صب كله باتجاه تشديد تطبيق خطط تغيير الدستور والقوانين.

كان الوضع الاقتصادي يتفاقم والاستثمارات الأجنبية تتناقص وزادت التحذيرات من المجتمع الاقتصادي الدولي واصفة الاقتصاد التركي بأنه في وضع overheating  وهو ما يتطلب تدخل البنك المركزي لكبح التضخم وتخفيض الصرف من قبل الحكومة لكن ما كان يحدث هو عكس ذلك تماما حيث قامت الحكومة في 2017 بحث البنوك على زيادة الإقراض عبر برامج قروض مدعومة من الحكومة تخطت 60 مليار دولار حسب التقديرات. من جهة أخرى، علق أردوغان عدة مرات أنه يعارض رفع الفائدة من قبل البنك المركزي الذي لم يقم بذلك الا في حالات الضرورة القصوى وتخطى سعر الفائدة 16%.

كان الاقتصاد التركي بحاجة الى الشرارة الأخيرة التي تعلن فشل ما يجري وعدم وجود أفق تغيير حقيقي يوحي بإمكانية استقرار الأمور ولم يتأخر أردوغان في توفير تلك الشرارة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث عين صهره وزيرا للمالية وأصدر مراسيم تتيح له التدخل قانونيا في سياسات البنك المركزي. استقبل المجتمع الاستثماري تلك التغييرات بأنها تأكيد على الاستمرار بطريقة العمل نفسها وعدم وجود نية للتغيير. وزاد من الطين بلة المواجهات التركية مع أمريكا وتصعيد الخلافات معها. كل ذلك أدى إلى نظرة مستقبلية سلبية للاقتصاد التركي وألغى إمكانية عودة ثقة المستثمرين الأجانب وتحول الاهتمام نحو قدرة تركيا وشركاتها على سداد ديونها الخارجية التي تستحق أجزاء مهمة منها خلال الأشهر القادمة وزاد القلق الدولي من احتمالات التعثر وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي.

ردة الفعل التركية لم  تكن مستغربة، فبدلا من القيام بإجراءات نقدية واقتصادية للسيطرة على الوضع، قام أردوغان على طريقته باتهام جهات خارجية بتنفيذ مؤامرة ضد تركيا وأعلن أنه يخوض مع شعبه حرب اقتصادية ضد الخارج.

لا يوجد حاليا حلول متوقعة للأزمة التركية لأن الخيارات المتاحة ضد قناعات أردوغان وهي تتضمن وضع قيود على حركة النقد ورفع كبير للفائدة والحصول على سيولة من قبل صندوق النقد الدولي.

اذا كان ما يجري في تركيا حاليا مؤامرة من الخارج فهي لم تكن لتتم بدون تنفيذ سياسات تركيا الاقتصادية منذ 2013.

كاتب اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

محمد هيهات كم شكينا على المشغلين والتصعيد ما ان يصل الى الهيئة...
زياد لي 11سنه وان استلم ٣٠٠٠ ريال لا بدل ولاغير حتى الاجازه...
غاندي سؤال لاصحاب الخبرة هل يجوز ان يكون امين سر المجلس هو المدير...
حمد الشايع مقالة رائعه من كاتب رائع. خلال السنوات الاخيره اثبت فشل اي...
سلطان الحزيمي سوالي للكاتب عندنا قال السعوديين يدفعون الضريبه في الدول...

الفيديو