الجمعة 25 ذو الحجة 1441 - 14 أغسطس 2020 - 23 الأسد 1399

المشتقات المالية - وقفات ودروس

معاذ بن عبدالرحمن الحسيني

كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن أهمية وحساسية التعامل بالمشتقات المالية بالإضافة الى ما يمكن أن تؤول اليه حال بعض الشركات جراء عدم إدراك المخاطر الناشئة من العقود المالية للمشتقات التي ترتبط بأصول معينة. عادة ماتكون رغبة الشركة هي التحوط، وهذا محمود، ولكن عدم إعطاء الموضوع حقه من قبل الإدارة التنفيذية أو مجلس الإدارة يجعل عملية التحوط أقرب ما تكون الى مضاربة قد تؤدي الى ما لا تحمد عقباها، وهذا في أحيان عدة يكون نابعاً من الافراط بالثقة من بعض التنفيذيين بقدراتهم على التعامل مع أدوات التحوط وتكون هذه الثقة ناجمة عن تراكمات تجارب لأكثر من عملية تحوط (تكون أقرب للمضاربة) ولكن لحسن الحظ تعود بالربح على الشركة، وبالتالي يألف المسؤول هذه العملية باستمرارية وتدرج تصاعدي، مما يؤدي الى الدخول بعمليات أكبرومجازفة أجرء من مثيلاتها السابقة. 

لا شك بأن ينتهي المطاف بمثل هذه السلوكيات الى تداعيات موجعة للشركة على الصعيد المالي جراء تذبذب الأصل المرتبط بالعقد أو السوق العالمي عموما على نحو غير متوقع أو محسوب سلفا. نرى في بعض الأحيان أن هذا الأمر من شأنه أن يولد تحديات مالية قاسية قد تُفضي الى الإفلاس ناهيك عن الآثار السلبية المترتبة على السمعة، فلعل في ذكر بعض الاحداث ودراسة حالة بعض الشركات التي أخفقت في هذا الشأن عبرة وفائدة، وكذلك لتقريب الصورة أو الكيفية التي قد تنبعث منها مثل هذه القرارات الخاطئة.

دعونا نستهل المثال الأول بشركة (China Aviation Oil) والتي تعتبر المورد الرئيسي لوقود الطيران المدني بالصين. كانت الشركة بقيادة رئيسها التنفيذي (تشن جولين) تتحوط من تذبذبات أسعار النفط باستعمال أدوات مختلفة من المشتقات المالية مثل العقود المستقبلية وعقود الخيارات. كانت قواعد الشركة تنص على أنه في حال تجاوزت خسائر الشركة أكثر من خمسة ملايين دولار جراء التعامل مع المشتقات المالية فيجب اغلاق العملية أو العمليات فورا ماعدا في حالة استثنائية واحدة وهي موافقة الرئيس التنفيذي باستمرارية العقد أو العقود. كان هذا البند من ضمن نشرات الشركة الدورية ومراسلاتها وهي شركة مدرجة بالسوق. في الربع الثالث من عام 2003 بدأت الشركة تأخذ منحنى آخر وتتجه لما هو أقرب للمضاربة منه للتحوط، وقد كان هذا الأمر نابع عن ثقة كبيرة بأن أسعار النفط والسلع المرتبطة به ستتجه صعودا. 

كانت الشركة في تلك الأثناء تشتري عقود الخيارات (Options) للتحوط من ارتفاع أسعار النفط إذا صدقت تكهنات الشركة بارتفاعها، وفي نفس الوقت كانت تضارب وتبيع عقود الخيارات المراهنة على نزول أسعار النفط (Shorting options) وتحصل على علاوات مالية جراء بيعها. المحصلة النهائية تكون أنه إذا ارتفعت أسعار النفط فإن الشركة سوف تجني أرباحها من العقدين، وهذا بالفعل ما حدث في بادئ الأمر فقط. الجدير بالذكر أن مجلس الإدارة لم يقر أو يراجع هذا النوع من استراتيجية التعامل بالمشتقات وكان هذا التصرف نابع من تنبؤات واجتهادات الرئيس التنفيذي. كانت الاستراتيجية تدر دخلاً على الشركة حتى الربع الرابع من نفس العام، والذي عندها قلب (تشن جولين) توقعاته ورأى أنه حان الوقت لأسعار النفط بالانخفاض وبالفعل تم تغيير الاستراتيجية، وبدأت الشركة بالمضاربة وترقب نزول أسعار النفط الى ما دون 38 دولاراً للبرميل، ولكن حدث مالم يكن بالحسبان فقد استمرت أسعار النفط بالارتفاع في عام 2004 حتى بلغت خسائر الشركة ما يقارب 550 مليون دولار، مما جعل الشركة تدخل نفق إعادة هيكلة الديون. 

الأدهى من ذلك أن الشركة كانت تخفي عن مساهميها هذه الخسائر تأملا بتقليصها على أقل تقدير ضاربين عرض الحائط المعيار المحاسبي (IAS 39) والذي بإيجاز يتضمن الزام الشركة بالإفصاح عن الخسائر الناجمة من المشتقات المالية في نفس الفترةالمحاسبية. وأخيرا عند اتضاح الصورة للجميع تم كف يد الرئيس التنفيذي عن العمل وتوجيه خمس عشرة تهمة من ضمنها انتهاك قوانين الأوراق المالية والشركات بالإضافة الى تهم تتعلق بعدم الإفصاح عن معلومات جوهرية. في نهاية المطاف تم اصدار حكم على (تشن جولين) بالسجن لمدة أربع سنوات. 

مما تقدم نجد أن الخلل كان يكمن في عدة عوامل منها رداءة استراتيجية التحوط وعدم تقنينها وتعريفها بالشكل المطلوب. أيضا غياب الحوكمة الجيدة لإدارة المخاطر فاقمت من تداعيات الخسائر والا لما وجدنا أن قرار الدخول بمثل هذه العمليات الحساسة يتمحور في شخص أو شخصان. وأخيراً مما ساهم في إخفاء الخسائر هي طريقة احتساب القيمة العادلة لعقود التحوط حيث كانت الطريقة المتبعة لا تمت بصلة للمعايير والممارسات المقبولة (كانت تشير الى خسائر أقل بكثير من الواقع) وهي معضلة كان بالإمكان تلافيها بيسر لو كانت بنود الحوكمة على سبيل المثال تشير الى تعيين جهة خارجية مستقلة لحساب القيم العادلة بدلا من تضارب المصالح الحاصل من خلال تقييم الشركة بنفسها. 

أيضا تعتبر شركة (Citic Limited) ومركزها هونغ كونغ مثال آخر على سوء إدارة المخاطر السوقية، وهشاشة الحوكمة واللوائح لديها. فبالرغم من حجمها وتنوع أعمالها المختلفة في مجالات عدة مثل الحديد والتعدين والعقار وتوليد الطاقة فإنها وقعت ضحية لمثل هذا النوع من المخاطر. كانت الشركة تقوم بالتحوط من ارتفاع عملة الدولار الأسترالي الذي كان مطلوبا لتمويل وتطوير منجم في أستراليا لتوريد خام الحديد لمصانع الصلب في الصين. 

كانت طبيعة هذه العقود التي كانت تلتزم بها الشركة عالية المخاطر، وكان عنصر الجذب للشركة لمثل هذه المنتجات هو تثبيت سعر الدولار الأسترالي بأقل من السعر السوقي آنذاك في مقابل أن يكون لدى الشركة سقف أرباح محدد إذا ارتفعت العملة. مع الأسف كانت الشركة تتحوط بمبالغ أكبر من الاحتياج الفعلي المطلوب لتطوير المنجم رغبة منها بالاستفادة من حركة السوق (الاحتياج الفعلي كان يمثل مليار ونصف المليار دولار أسترالي مقابل تسع مليارات دولار لمنتجات التحوط!). 

كانت الشركة تتطلع بأن استقرار هذه العملة أمام الدولار الأمريكي يعتبر محفز قوي للدخول بهذا المنتج مما دفع الشركة للالتزام بشراء مبالغ ضخمة بالدولار الأسترالي من البنوك على فترات مستقبلية مختلفة. كانت الشركة تتعامل مع ثلاثة عشر بنكاً وأربعة وعشرون عقداً من أدوات المشتقات المالية. وفي أكتوبر من عام 2008 ومع تذبذب الأسواق العالمية والعملات والذي شهدنا فيه هبوطا حادا للدولار الأسترالي تم تعليق سهم الشركة عن التداول للإعلان عن حدث جوهري، وكانت المفاجأة بأن تصرح الشركة عن خسائر تقارب ملياري دولار أمريكي جراء هذه العمليات والتي أدت الى انهيار السهم بالجلسة التالية بما يقارب 75% حيث كانت الخسارة المعلنة تعادل ثلث صافي أرباح العام الذي قبله. 

بطبيعة الحال تم عزل المدراء التنفيذيين المسؤولين بشكل مباشر عن الدخول بهذه العمليات، ولكن لحسن الطالع فإن الشركة الصينية الأم وهي شركة استثمارية سيادية قامت بضخ ما يعادل مليار ونصف المليار دولار أمريكي لإنقاذ الشركة من هذه الورطة. أيضا نستطيع القول هنا بأن مثل هذا الإهمال كان بالإمكان القضاء عليه باتباع عدة حلول كأن يكون هناك فرض لإطار واضح للحوكمة مع وجود لجان مستقلة تتشارك وتوصي وتتابع وتفند الدخول بمثل هذه المنتجات.

هل سوقنا السعودي بمعزل عن هذه المخاطر؟ بالطبع لا، وقد شهدنا أن بعض الشركات منيت بخسائر جسيمة جراء عدم تحديد ودراسة الأهداف الرئيسية للتحوط، وكذلك غياب الحوكمة المطلوبة. قد يكون إفصاح بعض الشركات المدرجة لدينا عن تعرضها بهذا الجانب موجز ومختصر، فلذلك جدير بكل شركة أن تُظهر قوائمها المالية بشفافية ماهية هذه العقود ان وجدت، وكيفية احتساب القيم العادلة وأن يكون هناك دور رئيسي لمراجع الحسابات للبت في كيفية المعالجة المحاسبية لمنتجات المشتقات المالية ومدى قابليتها لكي تكون مؤهلة ومطابقة للمعايير الخاصة بها (Hedge Accounting). 

وحري أيضا بالشركات التي تكون عرضة لهذه المخاطر أن يكون لدى مجلس الإدارة كوادر تستطيع إدراك تبعات وطبيعة الاستراتيجيات الخاصة بإدارة المخاطر السوقية في زمن أصبح فهم هذا النوع من المخاطر أهم من أي وقت مضى. 

شريك مؤسس في شركة مالية متخصصة بإدارة مخاطر السوق والتحوط [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه عبدالرحمن بن عبدالله في 12/10/2018 - 08:24

مقال ثري ونافع ، حيث ان التحوط هذا الوقت أهم من اي وقت مضى للحفاظ على استمرارية ومكتسبات اي كيان اقتصادي او تجاري او صناعي او غيره ، بشرط إسناد هذا الفن إلى أهله . تحياتي

إضافة تعليق جديد

الفيديو