الأربعاء 18 ذو القعدة 1441 - 08 يوليو 2020 - 17 السرطان 1399

الإدارة باستشراف المستقبل

عبدالخالق عمر مرزوقي

كقارئ ومحب للكتب، حزنت لاضطرار مالك المكتبة التراثية، في الرياض، وهي من اهم الأماكن المتخصصة في بيع الكتب، في السعودية، لتقليص مساحتها، كي لا يضطر للإغلاق، بسبب التغيرات الإستراتيجية الكبيرة، التي تطال سوقي بيع الكتب ونشرها تحديدا، بسبب تغيرالسوق، وازدياد انتشار الكتب الإلكترونية، خاصة بعد اضافة شركة أمازون دعما للغة العربية سواء اجهزة كيندل لقراءة الكتب، أو تطبيق كيندل للهواتف المحمولة، اضافة  لبرنامجKindle Direct Publishing ، الذى يوفر للمؤلفين تحميل كتبهم الإلكترونية بسهولة، والوصول للملايين بدون حدود أو رقابة.

يضاف لذلك مواقع دور النشر، والمكتبات الإلكترونية، التي توفر النسخ الورقية من الكتب عبر الطلب المسبق، وارسالها للقارئ في موقعه، وهي اخذت ايضا جزءا من سوق المكتبات التقليدية، أما إذا تحدثنا عن الطرق غير القانونية للحصول على الكتب، عن طريق تصوير الكتب، وتحويلها لنسخ مصورة  PDF، وتداولها عبر المواقع الإلكترونية بشكل مجاني، في عملية تجاوز لحقوق الملكية الفكرية، ويضاف لكل ذلك وقبله، ارتفاع اسعار الكتب المطبوعة، وهذا ملاحظ خاصة خلال معارض الكتب المختلفة، واثر كل ذلك على المكتبات المتخصصة في بيع الكتب، واستمراريتها ومستقبلها كنشاط تجاري، يستهدف الربح. 

كانت هذه المقدمة ضرورة تمهيدية، وينبغي أن يكون لدى كل صاحب مشروع، أو مسؤول في منظمة اعمال، "رؤية" مماثلة لها عن "سوقه"، و"التغيرات الإستراتيجية" التي يتجه إليها، بشكل اكثر تفصيلا، وغنى بالمعلومات، كي تشكل له منطلقا لتكوين خطته الإستراتيجية المستقبلية.
كمتخصص في الإدارة، وحين انظر لما حدث للمكتبة التراثية، من زاوية اكثر موضوعية وتجردا، تتناول عملية التخطيط للأعمال، فإنني ألحظ قصورا لدى إدارة المشروع في عملية "التنبؤ" الذى يتم بنائه على أساس من "تحليل المعلومات"، الحالية والمستقبلية، لوضع السوق والصناعة, وبناء على ذلك يتم وضع التخطيط، وهذا القصور وهو متكرر بشكل خاص، لدى اصحاب المشاريع الصغيرة، يتسبب غالبا في غياب وإندثار مشاريع كانت ناجحة جدا, في وقت ما, ويتضاعف الأثر حين يكون هذا المشروع هو مصدر الدخل الرئيسي لمالكه.

اعتقد أنه على مالك أي مشروع، سواء كان المشروع جديدا، أو قائما ومضت عليه سنوات، وسواء كان مستمرا في تحقيق الأرباح، أو في حال تراجع في النمو أو يحقق خسائر، اعداد خطة استراتيجية لعمله، وهذا ما يفعله غالب الشركات الكبيرة والمتوسطة، لكن يغفل عنه اصحاب المؤسسات والمشاريع الصغيرة.  

 ومن المعلوم والمتعارف عليه، وهو مقر نظاما, أنه قبل البدأ في أي مشروع، يجب عمل دراسة جدوى اقتصادية، وغالبية مالكي المشاريع يقومون بذلك قبل بداية المشاريع، سواء كانت دراسة الجدوى معدة بطريقة مهنية واحترافية، تطبق الممارسات المعتمدة في هذا المجال، أو مجرد دراسة تعد على عجل وبطريقة غير محترفة ويراد منها اظهار نتائج في اتجاه معين.

ما أود التركيز عليه في هذا المقال، وأرى أنه يجب يكون، هو وجود ممارسة منتظمة، لأي قيادة إدارية في منظمات الأعمال، بغض النظر عن حجمها، تشمل تلك الممارسة "عملية" محددة خطواتها مسبقا، ومكتوبة.

واقترح أن تكون هناك "خطوة أولى"، تسبق اعادة اعداد دراسة الجدوى الإقتصادية، ولا اتحدث هنا عن بداية المشروع/ النشاط فقط، بل عن "عملية" دائمة، منتظمة، تجري طوال مدة عمل المنظمة/ المشروع/ النشاط، وتسبق عملية اعادة اعداد الخطة الإستراتيجية الجديدة، وتجري كل مدة زمنية يقدرها صاحب المشروع، ولتكن 5 سنوات، لتتوافق مع فترات اعداد الخطط الإستراتيجية للمنظمات الصغيرة والمتوسطة.

الخطوة الأولى التي اتحدث عنها، هي اعادة تعريف مالك المشروع/ القيادة الإدارية، لما يقوم به، بتحديد وتوصيف دقيق، والغالبية من المنظمات، لا تقوم بهذه الخطوة، ولا تدرك اهميتها، لكنها هي المحدد الأساسي لمدى قيمة واهمية نتائج دراسة الجدوى.
فإذا كنت كمالك للمشروع، لا تستطيع منح تعريف دقيق ومحدد لماهية مشروعك، فكيف ستستطيع دراسة جدواه، وما الأسس التي ستبنى عليها "معايير" الدراسة؟ 

وسأعود هنا لمشروع المكتبة، كي اطرحها كمثال يوضح الفكرة، لنفترض انك ستبدأ مشروع مكتبة تقليدية، وقمت بتعريف مشروعك بأنه: (بيع كتب)، لا اعتقد أن أي دراسة جدوى اقتصادية جادة حاليا، ستخرج بنتيجة ايجابية، فيما اذا قمت بتوسيع تعريف للمشروع، بأنه يشمل خدمة البيع والنشر والطباعة والتوزيع، وما يتعلق بها من خدمات مباشرة، سواء رئيسية – كمثال استقطاب الأكاديميين في نفس المدينة لطباعة كتبهم وتوزيعها- أومساندة، كبيع المستلزمات الأخرى، فبالتأكيد انت توسع افاق مشروعك، وتمنحه الفرصة للبقاء اكثر من السابق.
"الخطوة الثانية" هي اعادة القيام بدراسة حقيقية للجدوى الإقتصادية، والتي هدفها الأساسي هو الإجابة على السؤال: هل سينجح المشروع؟

ويجب تكرار اعادة طرح هذا السؤال كل عدة سنوات، خاصة لاصحاب المشاريع الصغيرة، لأنهم في الغالب لا يقومون بعمل خطط استراتيجية، محكمة، لمشاريعهم على فترات زمنية منتظمة، ويخدعهم استمرار تدفق الإيرادات، على المدى القصير.

 وهدفها هو منح مالك المشروع، القدرة على التنبؤ بالإتجاهات المستقبلية للنشاط، بصفة دورية، وبناء على معلومات، عن مستوى السوق وقطاعاته، البيئة الإقتصادية والإجتماعية، التكنولوجيا، الأنظمة، التوسع في سوق "نشاط" جديد مساند اكثر ربحية، موقع المشروع.

 والنقطة الأخيرة مهمة جدا لأصحاب المشاريع التجارية، لأنه قد يكون هناك حدث جوهري، بالنسبة للموقع، يؤثر على تحقيق الإيرادات المطلوبة، كأن يكون هناك مشروع لإنشاء نفق أو جسر، في الشارع الذى يوجد فيه موقعك، وسيتسبب في إغلاق الشارع امام عملائك لسنوات - نرى هذا كثيرا في شوارعنا- فهل سيكون من المنطقي الإستمرار في تحقيق خسائر على مدى عامين أو ثلاثة، وربما عدم العودة لتحقيق ذات الإيرادات بعدها، وخسارة غالبية عملائك لصالح منافسين، أم يجب عليك الإنتقال لموقع آخر، هنا سيكون عليك القيام بدراسة وتحليل جميع خياراتك، خاصة من ناحية التكلفة المالية.

لدى هنا مثال جيد، سأقترحه على من يقرأ، وهو شركة نوكيا، والتي كانت قبل سنوات، هي صاحبة الحصة السوقية الأكبر، في سوق الهواتف النقالة، وتحقق الأرباح بالمليارات، لكن لأنها لم ترفع رأسها عن التركيز على الأرباح قصيرة المدى، والحصة السوقية، ولم تقرأ، بشكل دقيق، مستقبل السوق والصناعة والمنافسة، فإنهارت، وخرج رئيسها التنفيذي "ستيفن إيلوب" - الذى انخفضت ايرادات الشركة خلال ثلاث سنوات، هي مدة شغله لمنصب الرئيس التنفيذي للشركة، 40%، وانخفضت الأرباح 95%، وانهارت الحصة السوقية من 34% إلى 3.4%–  قبل سنوات قليلة في مؤتمر صحفي، يعلن فيه عدم قدرته على فهم ما حدث للشركة، وانهى كلمته التي انهار بعدها باكيا بالقول: "نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما، خسرنا"، كان هذا قبل أن تحاول العودة في حلة جديدة، قبل سنوات قليلة.

بعد الخطوتين السابقتين، وبناء عليهما، يستطيع مالك المشروع تقييم خياراته، بالإستمرار، وفق خطة العمل ذاتها، أو تغييرها، أو تغيير النشاط كليا أو جزئيا، وقد يكون القرار انهاء المشروع.

يلي ذلك في حال اختار تغيير خطة العمل أو تعديلها، " الخطوة الثالثة" وهي عملية اعداد تلك الخطة، والتي هدفها الأساسي الإجابة على سؤال: كيف سيتم تنفيذ المشروع؟

وتشمل فريق العمل، المراحل، التوقعات المالية، وعملية اعداد نموذج العمل، والأخير من اهم ما يجب أن تتضمنه خطة العمل 

سأختم مقالي بمثال عملي، ناجح، في نفس السوق والمجال، في مدينة الدمام لدينا مكتبة شهيرة، مستمرة منذ 30 عاما وربما اكثر، لانها منذ سنين لم تعد تُعَرِف ذاتها كمكان لبيع الكتب.

ففي السنوات الاخيرة، ومع نشاطها الاساسي في بيع الكتب، تحولت لدار نشر وتوزيع، لكتب مدرسي الجامعات في المنطقة الشرقية، وبيع مذكرات وملخصات المواد، وهو سوق واسع جدا، اضافة لذلك تحولت لمركز نسخ وكتابة الخطابات، وإتمام الخدمات الحكومية للعملاء عند طريق شبكة الانترنت، عدا عن بيع القرطاسية، والتصوير بما فيه احتياجات المكاتب الهندسية، وادوات اجهزة الحاسب والطابعات، وتجهيزات وادوات الرسم وغيرها.
 

اداري، ومقيم انظمة جودة المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

محمد جمعان اذا الغيت المنشأة او النشاط هل لدي مستحقات لان ما قد استلمت...
حمود حاولت أن تجعل من المواطن غبيا .. لكنك لم تنجح ..
عبدالمجيد بالله وش قصدك بمنافسة القطاع الخاص، المفروض القطاعين مكملين...
احمد هل يوجد غرامة للمنشاءة التي لاتطبق هذه الايحة اولم تصدر...
ناصر محمد دولنا الاسلامي تحتاج الى آلية مماثلة تجمع المعلومات وتوفرها...

الفيديو