الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019 - 20 القوس 1398

إدارة المخاطر المالية كمسار مهني

معاذ بن عبدالرحمن الحسيني

أذكرُ عندما تخرجت من المرحلة الثانوية كان هاجس اختيار التخصص ومدى حاجة سوق العمل له مستقبلا ًيؤرقني. بطبيعة الحال كنت أسأل كلَّ من حولي وأجمع وأحلل الآراء والتوجيهات والنصائح المختلفة، حيث كنت أتمنى حالي كحال أغلب زملائي ذلك الوقت، أن تكون هناك حاجة ملحة لمهن أو وظائف معينة تتماشى مع رغباتي وتطلعاتي حتى تساير حاجة سوق العمل مع ما أميل وأصبو إليه.  

أكملت دراستي الجامعية، وانخرطت بسوق العمل وتدرجت من وظيفة لأخرى وفعلًا وجدت افتقارًا كبيرًا لبعض المهن وحاجة السوق لها واقترانها بشغفي بها، مما دفعني أن أتخصص وأساهم ولو بجزء يسير لتغطية احتياج السوق بهذا المجال، لذلك أراها فرصة مواتيةً لإخواني وأخواتي الطلاب والطالبات الباحثين عن تخصص أو المتخرجين حديثًا بالمؤهلات ذات العلاقة أن يملؤوا هذا الحيز المليء بالفرص.

كلُّ ما أعنيه هنا هو تخصص إدارة المخاطر المالية بأنواعه المتعددة مثل؛ إدارة المخاطر السوقية أو الائتمانية أو السيولة أو مخاطر العمليات. فما يميز هذا المجال أنه علمٌ قائمٌ بذاته ويغطي جزءًا كبيرًا من الاقتصاد من حيث الفرص الوظيفية سواء في المصارف أو شركات التأمين أو الشركات الكبيرة المتعرضة للمخاطر المالية المختلفة، وكذلك الشركات والصناديق الاستثمارية السيادية بالمملكة، حيث يتناسب التعرض لهذه المخاطر طرديًا بمدى توسع الشركة وعملياتها الخارجية، وبالتالي فإن الحاجة الماسة لخلق جهات أو أقسام مستقلة تفرض نفسها للتعامل مع هذه المخاطر.

حالها كحال إدارة المخاطر بشكلٍ عام فإن إدارة المخاطر المالية تتضمن حصر المخاطر ومن ثم قياسها بهدف تحديد الأساليب والاستراتيجيات المثلى لعلاجها ومن ثم المتابعة المستمرة لفعالية هذه الاستراتيجيات وتغييرها إن تطلب الأمر، فتحليل المخاطر يكون باتباع مزيجٍ من الطرق النوعية والكمية بهدف اتخاذ القرار في نهاية المطاف بناءً على بينة معززة بالمعلومات الكافية. 

عادةً ما يكون قرار إدارة المخاطر المالية مندرجا تحت أربع حالات؛ أولها: تجنب المخاطر المحددة سلفًا شريطة أن يكون الأمر متاحًا لفعل ذلك. ثانيًا: قد يتعين التعايش مع بعض المخاطر ومتابعتها خصوصًا عندما يتعذر تجنبها. ثالثًا: بعض المخاطر يتم العمل على الحد منها وتخفيفها، وأخيرًا قد يتم تغطيتها مع جهة خارجية كما هو الحاصل في التأمين عندما تدفع الشركة علاوة مالية نظير التغطية التأمينية للخطر المتفق عليه. كل حالة من هذه الحالات تُدرَسُ من حيث الأرجحية والتأثير ومدى وقعها الحسي والمعنوي ليتسنى لصناع القرار البت في أفضل استراتيجية ممكنة.

من أهم تطبيقات إدارة المخاطر المالية المتعارف عليها هي دراسة علاقة وتفاعل المخاطر مع بعضها البعض، وليس النظر في كل حالة بشكل منعزل. هذا بالطبع يزيد الأمر تعقيدًا على المدى القصير، ولكنه مجدي على المدى الطويل حيث قد نرى الزيادة في بعضها يخفف من البعض الآخر، وبالتالي نجد أن الشركة قد تتخذ قرارًا أكثر جرأة في أمور معينة جراء هذه الفائدة (Risk-taking incentive).

عودة للمسار المهني والفرص المتاحة في المملكة فمن المهم أن يكون لدى الشخص المقبل على مثل هذه الوظائف الإلمام الجيد بالتخصصات ذات العلاقة مثل الرياضيات والإحصاء والأساليب الكمية والمالية والاقتصاد. أما من لم يتخصص دراسيًا بإحدى هذه المجالات ويجد أنها ضمن دائرة اهتماماته فالأمر أيضًا متاح من خلال الحصول على أحد الشهادات المهنية المتخصصة والتي تعتبر بمثابة تذكرة عبور للالتحاق بهذا المجال، ومن أهم هذه الشهادات هي شهادة مدير المخاطر المالية (Financial Risk Manager) والتي تقدمها المنظمة العالمية لمحترفي المخاطر (Global Association of Risk Professionals) ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية وتقام الامتحانات في أغلب دول العالم من ضمنها المملكة العربية السعودية.

من خلال متابعتي لهذا المجال فإني وجدت أن بعض الشركات لم تستحدث حتى الآن آلية معينة لإدارة المخاطر المالية، وعلى الجانب الآخر نرى أن بعضها استحدثت بالفعل قسم لإدارة المخاطر ولكن الأغلب يدار بكوادر أجنبية، وهناك أمر آخر أجده من وجهة نظري الشخصية محفزًا لشغل هذه الوظائف بكوادر وطنية ألا وهو حساسية هذه المناصب التي تعتبر عصبًا رئيسيًا بما تتضمنه من معلومات جوهرية لكل منظمة. 

مما يضفي بُعدًا إيجابيًا آخر لهذا التخصص هو أنه في حالة تطور مستمر بعيدًا عن الروتين والرتابة، مما يضفي مكاسب معرفية في صلب العمل، ناهيك عن العوائد المادية المغرية نسبياً لشغل مثل هذه الوظائف التي تعاني من قصور بالكوادر محلياً. وبالطبع لا توجد طريقة ثابتة متفقًا عليها لإدارة المخاطر المالية، فكلُّ منظمة تختلف عن الأخرى في طريقة التعامل مع المخاطر حسب الشهية (Risk Appetite) التي يتم تحديدها من مجلس الإدارة ويتشارك فيها التنفيذيون في تلك المنظمات. 

الأفق واسع والفرص متاحة لمن أراد أن يلحق بركب اتجاهات ومتطلبات السوق سواء في إدارة المخاطر المالية أو خلافه، ولكن أحببت هنا أن أنقل تجربتي المتواضعة لعلها أن تكون سببا لزيادة نضج هذا المجال وتكون الشركات أكثر إدراكاً بأهميته. 
 

شريك مؤسس في شركة مالية متخصصة بإدارة مخاطر السوق والتحوط [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو