الأحد 23 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019 - 30 السنبلة 1398

خصصة المشاريع الحكومية – آن الأوان

م. عبدالخالق بن شبرين القرني

تعد المملكة من الدولة ذات الإنفاق العالي على مشروعات القطاع العام في شتى المجالات ، منها مشروعات البنى التحتية ، والبرامج العسكرية ، والقطاعات الخدمية ، والعقارية وإنتهاءا بالصناعات الترفيهية والسياحية. تنفيذ هذه المشروعات يتم عن طريق نماذج متنوعة و مختلفة من قطاع لقطاع. فهناك البرامج العسكرية طويلة الأمد التي غالبا تدار وتنفذ من قبل شركات متخصصة ، وهناك البرامج التشغيلية التي تشغل بعض المرافق لا سيما الصحية. بعض القطاعات أعتمدت مؤخرا على الخصخصة الجزئية من خلال إسناد جزء من مشاريعها لشركات متخصصة تتولى عملية الإدارة والإشراف على التنفيذ. ما يجمع كل هذه النماذج المختلفة إنها جميعها  مازالت ضمن الهيكل العام وتحت إدارة مباشرة من قبل الوزارات ، ولم تحدث التغييرات المأمولة  على المستوى التنفيذي أو على مؤشرات التكلفة العامة ، والأهم إنها لم تكن ذات أثر إقتصادي ملموس. 

تتجه إرادة المملكة ضمن رؤيتها 2030 - بل تعد ضمن الركائز الرئيسية للرؤية -  لرفع كفاءة الإنفاق العام وتطوير وتنويع الخدمات. لا نختلف بأن هذه الأهداف الكبيرة والملحة  لن تكون من خلال تطوير ماهو قائم ، بل من خلال إبتكار منهجيات مختلفة تحول هذه العبء المالي لمشروع وطني إقتصادي تنموي. هذه المشروعات ذات تعقيدات فنية ومالية ، وبأحجام كبيرة جدا ، تنفذ على رقعة جغرافية مترامية. لا نتصور أن تستطيع  الأجهزة  الحكومية بتأهيلها البدائي وهيكلتها التقليدية إدارة هذه المشاريع والخروج بها لدرجات مرضية من الجودة، فضلا عن إمكانية الإدارة الفعالة للتكلفة الإجمالية. حتى مع الخصخصة الجزئية التي تمت في بعض الوزارات ، لم تكن نتائجها بمستوى تطلعات أهداف تأسيسها. ربما لأن هذه الشركات المتخصصة أنبثقت من القطاع نفسه ، وربما لم تتوفر لها الأدوات المهنية والتنظيمية للقيام بدور مؤسسي متخصص. لنكون في سياق رؤيتنا يتوجب علينا أولا الائمان بأهمية ودور الخصخصة  وتفوق القطاع الخاص في إدارة وتنفيذ المشاريع. ثانيا  يتوجب علينا رسم وتفعيل السياسات المباشرة والمتدرجة لفك إرتباط هذه المشاريع بالقطاع العام وتحويلها لأنشطة القطاع الخاص وفق رؤية مؤسسية متخصصة ومستقلة. 

لا نشك بأن إدارات المشاريع الحكومية الحالية أنجزت الكثير وفق إمكانياتها ، إلا أن القطاعات الحكومية إجمالا لم تنشأ لإدارة وتنفيذ المشاريع ، بل أنشئيت لأعمال خدمية أخرى . إضافة هذه الأعمال لها هو عبء بحد ذاته ، ينتج عنه إخلال بالمهام الأساسية للقطاع ، فضلا عن التعثرات التي أصبحت ظاهرة تلحق الضرر بإقتصادنا وتعطل مساراتنا التنموية. لدينا تجارب كثيرة في الخصخصة المتكاملة التي حققت نجاحات كبيرة وساهمت إقتصاديا في رفع الإيرادات العامة ، وخلقت فرصا كبيرة أستوعبت قدرا كبيرا من الطاقات المهنية ، بل عززت ثقافة العمل والإنتاجية لدى شريحة كبيرة من الشباب السعودي. إذا كانت نجاحاتنا السابقة نقلتنا لمستويات جديدة من التنوع الإقتصادي وآفاق أرحب لسوق العمل فإن خصخصة المشاريع لا تقف عند هذه المستويات ، بل  تتجاوز ذلك لتستهدف أهم عنصرين وهما: الإدارة الفاعلة للتكلفة و جودة المخرجات لهذه المشاريع ،  إضافة للتنوع الإقتصادي وتعزيز سوق العمل. 

وجود شركات متخصصة يحقق الإدارة  الإحترافية الكاملة لعملية الشراء من فكرته المبدئية لإنتهائه كمنتج أو خدمة. تقوم هذه الشركات بدراسات الجدوى وتقديم التصاميم  الفنية و تقييم العوامل المؤثرة الأخرى التي تمكن صاحب القرار من إتخاذ قراره وفق معطيات إقتصادية و عملية و تنموية تحقق أهدافها. تتولى الشركات أيضا تقييم وتأهيل وإدارة المقاولين والموردين ، كما تقوم بوضع الإشتراطات التجارية والفنية مع إدارة عملية الشراء أو المنافسة  ، بما في ذلك إستراتيجيات الشراء الموحد وطويل الأمد ، وفق معايير مهنية تحقق أقصى درجات الجودة مقابل التكلفة المالية العادلة، إضافة لعملية التنفيذ وإدارة العقود المختلفة. والأهم من ذلك أن هذه الشركات ستكون بمثابة السلطة الفنية التي تحمل على عاتقها المسؤولية المباشرة للمخاطر المحتملة أثناء وبعد تنفيذ هذه المشاريع.  فعليا ستكون القطاعات الحكومية في مركز العميل ، بينما تتحمل هذه الشركات المسؤلية القانونية والفنية حيال ما تقدمه من أعمال . أعمال هذه الشركات ستكون خاضعة لإجراءات حوكمة وأنظمة محاسبية من خلال خضوعها لنظام الشركات أو حتى من خلال إدراجها جزئيا في البورصة. 

على الأرض تقدمنا خطوات ، من خلال تأسيس برنامج ( مشروعات) ، وهو برنامج وطني ضمن منتجات رؤية 2030 ، من أهدافه دعم المشاريع العامة مثل تحسين كفاءة الجودة وإعداد المعايير والتأكد من تطبيق الممارسات العالمية في ترسية وتنفيذ المشاريع. 

رغم أهمية هذا الدور إلا إنه مازال في نطاق الدعم لا المسؤلية ، وهو دور نظري وربما إرشادي أو رقابي ، لا يستهدف المحاور الرئيسية مثل الإدارة الفعلية لعمليات  الشراء والتنفيذ .  ندرك قدرته على نقل المشاريع العامة لمستويات أفضل مما هي عليه الآن ، إلا إن النقلة النوعية تتمثل في فك إرتباط هذه المشاريع بالإدارات الحكومية ، وهي النقلة التي تؤسس لعمل  إحترافي يدير وينفذ المشاريع الحيوية وفق  إستراتجية  شراء متخصصة ويحقق الكفاءة العالية لأهم أبواب الإنفاق العام. 


 

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

محمد الزبيدي السلام عليكم انا اعمل لدا شركة خاصة بعقد مدتوا سنة واريد...
يعقوب سعد الدوسري تم تصفية الحقوق لمدة خمس سنوات وأنا على رأس العمل كيف تصرف...
نوره كلامك متناقض ، تقول انو الام هي اللي تشتغل بالاساس بالبيت...
سامي جمعة المحترم بندر عبدالعزيز، موضوع الأستدامة أختيار موفق وذو...
د. أمل شيره أجدت ياسعادة الدكتوره ولعل من المفيد ذكر مايتوجب على...