الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 - 11 ديسمبر 2019 - 19 القوس 1398

مجتمع أنيق

علاء الدين براده

لم أقم بزيارة دولة اليابان من قبل، لكنني تذكرت هذه الدولة وكل القصص الرائعة التي كان يستعرضها معنا الإعلامي المتألق أحمد الشقيري في برنامجه (خواطر)، بمجرد اطلاعي على خبر يفيد ببدء سريان نظام الذوق العام هذا الأسبوع. 

فكرة أن تكتسب دولة سمعة تربطها بالنظام هي بحد ذاتها أمر جميل يطمح له كل فرد ، لا سيما و أنها تسهم في عملية التسويق للمدن كبيئة جاذبة . و في هذا الصدد لا يمكن أن نغفل جميعا  الجهود  في هذا الحراك التسويقي من قبل أكثر من جهة. لذلك فقد أسعدني الخبر ودفعني للاستزادة حول التعريف الذي اعتمدته اللائحة لهذا المفهوم والعقوبات المرتبطة بمخالفة النظام. ببساطة فإن المقصود بالذوق العام هو «مجموعة السلوكيات والآداب التي تعبر عن قيم المجتمع ومبادئه وهويته، بحسب الأسس والمقومات المنصوص عليها في النظام الأساسي للحكم». 

الجميل في الموضوع أن هذا النظام يأتي بالتناغم مع المحور الأول من محاور رؤية المملكة والذي يهتم بكون المجتمع حيوي. ولأننا نهتم بأن نرى هذا المحور واقعاَ ملموساَ، فنحن بحاجة لعدة أسس من بينها الاعتزاز بالقيم وكذلك صحة المجتمع. وهنا يظهر دور لائحة قواعد الذوق العام، إذ أن الكثير من المخالفات التي تنص عليها اللائحة تمس هذه الأسس في وقت نسعى فيه جميعاَ لتعزيز الصورة الإيجابية لمجتمعنا في الخارج. وعلى أي حال فإننا حين نصل لمرحلة الإيمان بأن هذه السلوكيات الإيجابية البسيطة هي لبنة التغيير، فنحن نبث شعور بالسعادة بين أفراد المجتمع الذي ينعكس بدوره على مستوى الإنجاز. 

على النقيض من ذلك فإن أحد السلوكيات السلبية التي نرفضها جميعا مثل – (رمي المخلفات أو القاذورات وما في حكمها في الطريق أو في أي مرفق عام) نراها تتكرر رغم رفضنا التام لها. لكنني ومن وجهة نظر شخصية متفائل بهذه اللائحة وكلي ثقة أن السلوك يمكن تغييره والأمثلة على ذلك كثيرة. لنعود بالذاكرة مثلاَ لعشر سنوات مضت ونحاول أن تقيس عدد من يرتدون حزام الأمان وتقارنها بالعدد الذي نراه في الطرقات اليوم. وضع النظام هو البداية فقط التي تقود ليصبح السلوك عادة وهو ما نطمح إليه. الأمر الآخر الذي أحب أن أشير إليه هنا هو الذكاء في اختيار توقيت إطلاق هذا النظام مع زيادة الازدحام في الطرقات الناتج عن ارتفاع عدد سكان المدن، وفي مثال اليابان السالف الذكر كلنا يعلم أن أحد أسباب نجاح اليابانيين في العيش بسعادة رغم اكتظاظ السكان هو التنظيم. 

الطموح الأبعد في معرض السلوكيات المرتبطة بالبيئة هو الانتقال من مرحلة الحفاظ على البيئة وحمايتها إلى تنمينها، وهنا أحب أن أستعرض تجربة كنت قد اطلعت عليها سابقاَ لأحد المدن. تبدأ التجربة ببناء قاعدة بيانات للمتاجر المهتمة بالبيئة لتبحث عن القاسم المشترك بينها، ثم أخذت على عاتقها خلق منظومة متكاملة تخدم المدينة بشكل كامل. ومن خلال تجولك في المدينة ستجد شعار المتجر المهتم بالبيئة والمشارك في هذا المشروع الضخم على نوافذه الخارجية مما يخلق صورة ذهنية إيجابية عن المتجر على المدى الطويل. 

يمكنك في هذه المدينة الحصول على أكواب قهوة صديقة للبيئة يعاد استخدامها لعدد كبير من المرات من أحد هذه المتاجر المنتشرة وبرسم بسيط. ويمكنك أيضا إعادة الكوب لأي متجر يضع الشعار في المدينة والذي بدوره سيقوم بعملية التعقيم وتهيئة الكوب من جديد عن طريق جهاز متوفر لديه ويعتبر الكوب عندها جاهزا للاستخدام مجددا. ببساطة الأفكار في هذا السياق كثيرة ولكن أمنيتي الخاصة هنا هي أن نحاول أن نعيش تفاصيل الذوق العام بلوائح تنظيمية أو حتى دون هذه اللوائح والعقوبات وتصبح المسألة أسلوب حياة أكثر من كونها التزام بالأنظمة.

مهتم باستراتيجيات التسويق وشؤون الابتكار [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو