الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019 - 21 العقرب 1398

خدمات العملاء والعاطفة الخفية 

م. عبدالخالق بن شبرين القرني

مرت عليك ( امشيها عشانك ) او مواقف أخرى مشابهة  من أي موظف يقدم لك خدمة.( أمشيها عشانك )  بشكل أو بآخر  حالة فساد ، وإن كانت لا تمارس ضمن  المفهوم السائد للفساد الذي يفترض توظيف الصلاحيات والمواقع الوظيفية للحصول على مقابل نفعي ، لكنها حالة عاطفية خارج الإجراء النظامي ، لها تأثيرها الخفي وتصعب معالجتها تحت أي إجراء أو قانون ، وتصنفها كثير من الإطروحات والقوانين ضمن حالات الفساد الغير مباشر ، و في أسوأ الأحول سوء إستخدام للموقع الوظيفي. الكثير – إن لم يكن كل المنظمات – تأثرت وتتأثر بهذه العاطفة الخفية ، دون أن تبادر بحلول ناجعة تتغلب عليها أو تحد من آثارها.  

العاطفة غريزة بشرية  ينتج عنها سلوك بشري  تلقائي  يلعب دورا  فعالا في شئوننا الخاصة ، أو أثناء قيامنا بأعمالنا  في مواقعنا الوظيفية ، سواء كنا في القطاع العام أو القطاع الخاص أو حتى أعمالنا الحرة ، و من الممكن أن  توظف بشكل سلبي أو إيجابي حسب مواقعنا التفاوضية ، وحسب قدرة كل طرف على توظيف أو إستغلال الجانبي العاطفي في الطرف الآخر. لكن تظل العاطفة الخفية العنصر الأخطر الذي يفقدك الكثير كنتيجة إجمالية لمفاوضاتك . و الأخطر من هذا  أننا لا نشعر بحجم  ما خسرناه  أو ما كان يجب أن نكسبه ، ذلك لأن النتائج نفسها غالبا ما تكون مغلفة بغطاء عاطفي وهمي.  في هذا المقال سأطرح بعض الجوانب التي تتشكل فيها العاطفة الخفية ، تحديدا  في أعمالنا  والتي يكون لها تأثيرات كبيرة ، سواء على مصالح الشركة أو حتى على الأداء والنمط الوظيفي للموظف.   

يمر على الموظف مراجعون أو ممثلون من قطاعات أخرى ، أو حتى من العامة ،  يشعر تجاههم بإرتياح شخصي لأسباب مختلفة . هذا الأرتياح وبشكل تلقائي يشكل مزاجا عاطفيا لدى الموظف يجعله يندفع لا إراديا للتجاوب مع طلبات ورغبات الطرف الآخر حتى وإن كانت لا تخضع لإجراءات منظمته. يتبلور في هذا المزاج العاطفي تنازلات  كثيرة من قبل الموظف وتجاوزات للإجراءات ربما الأساسية، التي يفترض أنها وضعت لتحقيق مصالح منظمته . هذه العاطفة ربما تدفع الموظف للإفصاح عن بعض الأسرار أو جوانب أخرى لا يعلمها الطرف الثاني وربما يوظفها لصالحه ( على حساب شركة الموظف بالطبع). شخصيا مريت بتجربة  مشابهة مع ممثل مبيعات  إحدى وكالات السيارات المعروفة في المملكة وكنت قد وصلت لقناعة تصل 80% لشراء السيارة إلا أن الموظف قاطعني وقال ( ترى الشكل الجديد بيكون مختلف كليا) ... من غير تردد تراجعت قناعاتي وتبدلت بحالة نفسية تدعم العزوف والإنتظار.  بالطبع  شكرت الموظف على المعلومة الثمينة وأبلغته بأن تصرفه يشكل خسائر كبيرة على شركته. هذه ليست حالة فساد في المفهوم السائد ، حيث لم يمكن هناك مقابل نفعي للموظف ولم يكن الموظف ينوي إلحاق الضرر بشركته  لكنها عاطفة خفية أثرت على دوره  في إتمام عملية البيع ، على العكس عاطفته نتجت عن دعاية عكسية. 

من العواطف الخفية ما يتشكل لدى أي من الجنسين تجاه الجنس الآخر. لا نتحدث عن إنتهاكات أخلاقية  أو تحرشات أو أي نوايا  أو مخالفات صريحة ، نتحدث عن عواطف خفية تتشكل وهي غرائز بشرية لا تخضع لمعايير ملموسة بل تتولد وتتغذى تلقائيا.  الشخص بطبيعته ( لا سيما الرجال) يميل بشكل أكبر للجنس الآخر وهذا ينقله للمحور الأول الذي تحدثنا عنه ( الإرتياح الشخصي) لكنه في هذه الحالة ( مع الجنس الآخر )  يكون بإندفاع أكبر وتأثير أشد أثرا بالتالي أشد ضررا. عاطفة تنقله إلى تصرف غرائزي لا يدع إعتبارا لضوابط وإجراءات عمله. من كمائن العاطفة الخفية ايضا الوجاهة الإجتماعية أو الحجم الإعتباري للطرف الآخر . هنا تظهر ردة فعل إستباقية  لدى الموظف مع حالة نفسية من الإستعداد المسبق للعمل وفق معطيات مختلفة،  حتى وإن لم يكن هناك أي تأثير من الطرف الآخر ( صاحب الوجاهة ) إلا إنها عاطفة كامنة لم يستطع الموظف السيطرة عليها ، أو كانت بقدر خفي ، وفي كلتا الحالتين فإن هذه العاطفة تصادر إستقلاليته في التعامل مع الطرف الآخر صاحب الوجاهة مما ينتج عنه تنازلات بلا شك. 

من كمائن العاطفة تلك العلاقة الثنائية على المستوى الفردي  من خلال الأعمال التي تتم بين منظمتين أو جهتين  لكنها تتمثل في الأفراد . في العلاقات الثنائية بين الجهات  غالبا ما ينشأ علاقات على المستوى الفردي للممثلين لكل طرف. تنشأ هذه العلاقة الحميمة من خلال التعامل اليومي  و الإجتماعات المتعددة أو التعاون المتبادل. ينتقل الطرفان  في تعاملهما من حالة عملية إلى حالة شخصية تحددها روابط كثيرة من أهمها الصداقة التي نشأت من خلال هذه العلاقة المستمرة. الإنتقال من علاقة عملية لعلاقة  شخصية  ينشأ معه  عاطفة خفية  قد لا يدركها أي من الطرفين لكنها تترك بصماتها في إدارة العلاقة بما في هذه العلاقة من مفاوضات وإتفاقات وقرارت ونحو ذلك.  على كل حال هذا مجال واسع جدا ويحمل وجهين إيجابي وسلبي وهو ما يعرف عند المختصين بالمفاوضات العاطفية.  وهو أسلوب تستخدمه الكثير من الشركات أو حتىى ممثلين الحكومات على أعلى مستويات ، هذا النوع من التفاوض يحتاج مهارة شخصية عالية وفهم عميق لشخصية الطرف الآخر والظروف المحيطة على المستويين  الشخصي والعام. ما يهمنا هو فهم التأثير العاطفي الذي تتركه هذه العلاقة على قراراتنا ومواقفنا العملية وإبقاء ..... 
 
العاطفة على كل حال  جزء أساسي من تكوين الإنسان وطبيعته وهي سمة مميزة له  متى أحسن توظيفها ، وهي عنصر هام وفعال لا يمكن تجاهله في التعاملات الثنائية المباشرة ، لها تأثير سحري خفي على قرارتنا  ، ينكمش هذا التأثير  بشكل عكسي بإرتفاع مستوى الوعي على المستوى الشخصي وتراكم سنوات الخبرة وتقدم العمر، ومن خلال البرامج التدريبية التي تشكل الشخصية المستقلة  للموظف وترفع مستوى الولاء للمنظمة و الأهلية النفسية للتعامل مع كل المواقف مع  رفع درجة  اليقظة و إستشعار المسؤولية وإلتقاط التفاصيل اثناء القيام بالأعمال.  بالإضافة للبرامج التدريبية يمكن للشخص على المستوى الفردي  الحد من تأثيرها من خلال عزل و كبح المشاعر الشخصية من خلال التمرس على المواجهة المتعقلة ، وذلك بالتمرس على مرونة الإنتقال من موقف لموقف عند الشعور بالضغط العاطفي.

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • يتم التعرف على السطور والفقرات تلقائيا. وسم فصل السطر <br />، و وسم بداية الفقرة <p>، و وسم إغلاق الفقرة </p> تضاف تلقائيا. إذا لم تعرف الفقرات تلقائيا، أضف سطرين فارغين بينها.
majad والله اتحداك تنتقدها والله لو انها خسران ان تمدحونها
علي اليحيى شكراً يا استاذ / على هذا المقال الجميل
أحمد عند طرح أرامكوا سيتاثر السوق سليي وبشكل حاد فالفرصة بإقتناص...
عبدالله الاحمد ‏أستاذ خالد، طرح جدا ممتاز فكرة أساسية في نجاح المشاريع،،...
مريم هل من الممكن انشاء سوق موازي في فلسطين ماهي مقومات نجاحه...

الفيديو