الخميس 21 ذو الحجة 1440 - 22 أغسطس 2019 - 30 الأسد 1398

مبتعثو أمريكا في حديث ترامب 

عبدالخالق بن علي

في اللقاء الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انتهاء مباحثات قمة العشرين، تحدث مطولا عن العلاقات الصينية الأمريكية. لكن أهم ما لفت انتباهي في كلامه كان عن الموهوبين الصينيين الدارسين في الجامعات الأمريكية وكيف يمكن استقطابهم ومنحهم الإقامة الدائمة؟؟ .

يدرك ترامب أن الفارق الوحيد الأن بين الاقتصاد الأمريكي والصيني هو الجانب المعرفي المتعلق بالابتكار والإبداع، وأن الصين تسير في الطريق الصحيح في هذا الجانب، من خلال ابتعاث خيرة شبابها للدراسة في الغرب وأمريكا تحديدا. ويرى ترامب أن الاستفادة من تلك المواهب الصينية مهم جدا للاقتصاد الأمريكي من جانبين، استقطاب المواهب والاستفادة من عقولهم، وحرمان المنافس الأكبر من أهم أدوات التفوق الاقتصادي. 

صحيح أن الرئيس الأمريكي تحدث عن استقطاب المواهب الصينية الدارسة في امريكا، بحكم التنافس الاقتصادي الكبير بين البلدين الذي وصل لمرحلة الحرب، لكن بكل تأكيد أن أمريكا لن تتوانى في استقطاب أي موهبة من المبتعثين لديها من أي بلد في العالم، وهو ما تفعله في الواقع منذ زمن بعيد.

المبتعثون السعوديون في أمريكا يأتون في المرتبة الثالثة من حيث العدد، حيث تتراوح أعدادهم بين 90 و150 ألف مبتعث. وهم محل اهتمام كبير من المؤسسات الرسمية هناك، ليس بسبب العائد الكبير الذي يمثلونه للاقتصاد الامريكي وتحديدا عوائد الجامعات، لكن لوجود مواهب مميزة بينهم يمكن الاستفادة منها واستقطابها. 

الواقع أن الموهوبين السعوديين سواء المبتعثين أو الدارسين في الداخل يعانون كثيرا في إيجاد المكان المناسب لهم ، والقلة القليلة منهم من يوفق في ذلك . أما البقية فإنهم أمام أمرين احلاهما مر؛ إما استغلال الفرص التي تعرض لهم في الخارج وخصوصا المبتعثين منهم، وهؤلاء أعدادهم ليست بالقليلة وإن لم تكن لهم احصائيات مؤكدة. والبقية يذوبون في الجموع من الموظفين في القطاعين العام والخاص بحثا عن لقمة العيش. 

المميزون في مختلف المجالات العلمية يواجهون عدة عقبات تحول دون الاستفادة منهم أو قبولهم بالبقاء في الداخل وعدم (هروبهم) حفاظا على قدراتهم وإمكانياتهم. 

فبعضهم لا يجدون مكانا يتوافق مع تخصصهم الدقيق، كبعض التخصصات الطبية والتقنية والهندسية. وهؤلاء ليس أمامهم إلا البقاء والعمل بدرجه أقل أو في مجال  مختلف عن تخصصهم، أو البحث عن فرص في الخارج وغالبا لايجذبهم  البقاء مهما أعطوا من مادة ومناصب. 

أما العقبة الأكبر والتي تواجه الجميع تقريبا عدم وجود البنية التحتية التي تخدم الإبداع، من حيث المختبرات المتخصصة والمجهزة التي تساعد المبدع على البحث والابتكار. ومن حيث القدرة الصناعية في تحويل الابتكارات إلى منتجات يمكن تسويقها والاستفادة منها. ومن حيث بيئة العمل المرنة والمحفزة، والبعيدة عن الرتابة في آليات سير العمل، كأوقات الدوام، والدعم المادي، والموافقات على البرامج والمشاريع . 

أحيانا يكون عقم الأنظمة عائقا كبيرا في استقطاب المواهب والاستفادة منها ، والتعامل مع الموهوب كشخص عادي يجب أن يمر على كافة الإجراءات النظامية للتوظيف بحيث يحطم كل رغبة لديه في البقاء والعمل والمنافسة. ورغم المحاولات في تجاوز هذه العقبة في بعض الجهات الحكومية إلا أنها مازالت موجودة ومؤثرة.

ضعف الحوافز المالية والمعنوية من المعوقات الكبيرة جدا جدا. فالرواتب والأجور والحوافز لا تنظر للشخص، بل يتم العمل بها ضمن آليات محددة للجميع بالتساوي دون النظر لأي اعتبارات أخرى. وذلك يتم في جميع المؤسسات الحكومية ومعظم مؤسسات القطاع الخاص. والعمل على اصلاح هذا الأمر جار لكنه مازال في البدايات، ولا يخدم الموهوبين.

أخيرا ضعف القطاع الخاص السعودي معرفيا وماديا، وعدم قدرته على دعم البحوث والابتكارات ومن ثم الاستفادة منها كمنتجات، واعتماده بشكل كامل على الاستيراد؛ لذلك فالموهوب زائد عن حاجة القطاع الخاص وقدرته.

مستقبل الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل كامل على العقول والابتكارات، مع تراجع كبير في أهمية الموارد الطبيعية، وقوة العمل، وحتى كثير من المهارات العملية التي سيحل محلها مهارات الذكاء الاصطناعي. لذلك يجب الاهتمام بالمواهب في الداخل والخارج والعمل على جعلهم قادة المستقبل، وتهيئة كافة الظروف المناسبة لهم ليحققوا للمملكة المكانة  التي تستحقها.

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد