الأربعاء 24 صفر 1441 - 23 أكتوبر 2019 - 30 العقرب 1398

كيف نتحول من مجتمع مستهلك إلى منتج تحت ظل رؤية 2030؟

د. بندر عبدالعزيز المنقور

إن الإنتاجية عند المجتمع السعودي أصبحت مثار اهتمام خصوصاً بعد الطفرة الأولى منتصف السبعينات، سواء أكانت بمادة إنتاجة فكرية وعلمية تؤدي إلى نهضة الأمة على المستوى الثقافي والفكري، أو كانت انتاجاً مادياً لبضائع تضخ في الأسواق، وهذا النوع من الإنتاج هو محط تركيزي في هذه المقالة. كما هو معلوم تهدف رؤية 2030 الى رفع إنتاجية الفرد من أجل تعزيز حركة الاقتصاد القومي، وتقليل الاعتمادية على المورد النفطي، والبحث عن موارد اخرى. من هذا المُنطلق أحببت أن اتحدث عن دور النشاط الإنتاجي تحت ظل رؤية 2030 وأهم التحديات التي تواجهنا أمام رفع معدل الإنتاجية.

ان للإنتاجية عناصر متعددة لابد أن تجتمع مع بعضها البعض كي تزداد الانتاجية بوتيرة متوازنة وصحيحة، ولكن ما يزال لدينا الكثير من الإشكالات والعوائق أمام زيادة الانتاجية على المستوى الوطني؛ أهمها البيروقراطية القاتلة والافتقار إلى استراتيجيات واضحة تدعم القطاع الخاص لاسيما نقص مصادر التمويل الميسرة (أو القروض الاستثمارية) للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتعقيدات الروتينية، وشُحّ الموارد البشرية المؤهلة لاسيما العمالة الماهرة، وكذلك الاستيراد "المنفلت" الذي يؤدي الى عدم قدرة المنتج المحلي على المنافسة، ووجود فساد مالي وإداري.

 هناك أيضا مشكلة رجالالأعمال الذين يضغطون على الحكومة لجلب عمالة وافدة رخيصة؛ وهذا ما زاد من مشكلة البطالة في مجتمعنا. هناك إشكالات اخرى أهمها افتقاد الموظفين للتحفيزات (فلا يوجد مثلاً رابط بين إنتاجية الموظف وأجره) وتدني سلم الرواتب (أو عدم التكافؤ في الأجر بغض النظر عن مدى امتلاك الموظف للمهارات المطلوبة)، وضعف المستوى التعليمي (أو امتلاكهم للمعرفة على حساب المهارات)، وقلة الخبرة وفرص التدريب، وعدم تطبيق التخطيط الوظيفي مثل ما يحدث في البنوك وبعض الشركات. 

عادة لا ينمو الاقتصاد القومي في بيئة غير منتجة بفعالية (اقتصاد ريعي عكس الاقتصاد الذي يتنوع فيه طرق الإنتاج)، ولكي يتقدم الإنتاج فإنه يجب تشجيع المبادرات الفردية بحيث تكون فيها الملكية للأفراد والشركات وليست للدولة. لقد سافرت الى كوريا الجنوبية وكنت أتساءل: لماذا تقدمت ونهضت على حساب دول أخرى؟ مثلها دول كثيرة في المنطقة ليس لديها ثروات طبيعية ولكنها في مصاف الدول الأكثر رخاءً، وقوة اقتصادية، وتنوعاً في الإنتاج، وتصدير بجودة نوعية وكفاءة عالية؛ كل ذلك كنتيجة حتمية لبناء الإنسان الفكري والمعرفي المتين، ولأن الدولة لا تسيطر على عملية ووسائلالإنتاج كليا، في المقابل نجد أن كوريا الشمالية تخلفت كثيراً بسبب تطبيقها للتأميم والنظام الاشتراكي الذي يقتل الحافز عند الأفراد في ظل غياب الملكية الفردية بمعناها الواسع (انخفاض إنتاجية العمال وضعف تحفيزهم وسلب إرادتهم في التملك والتفرد كان أحدأهم أسباب انهيار الأنظمة الشيوعية والاشتراكية).

فإذا كان كل الموظفين الحكوميين يحكمهم كادر وظيفي قائم على مراتب لا تميز بين إنتاجية شخص وآخر فما الذي يحفز الموظفين للتنافس علىالإنتاجية؟. إن هذا النظام يخلق حالة من الكسل والتبلد والتواكل حيث الجميع يحصلون على عوائد متساوية بغض النظر عن تفاوت معدلات الإنتاجية بينهم، ومن هذا المنطلق أرى أننا نحتاج الى إنشاء جمعيات واتحادات عمالية تقابلها تشجيع حكومي لها حتى يتبلور لدينا طبقة عمالية مؤهلة.

إن التحدي الكبير الذي يلزمنا جميعاً تحقيقه هو كيفية تحويل شكل الإنتاجية التي تعتمد على مجتمع "ريعي" إلى مجتمع "معرفي"؛ فنحن لسنا في حاجة لتأكيد نقمة النفط على إنتاجية وتنافسية القطاعات الإنتاجية الأخرى. إن التحدي كبير ومتعدد النواحي؛ ولكن لكي نتحول الى مجتمع منتج فنحن نحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى تشمل تطوير العنصر البشري وتأهيله (أي إعادة بناء الطبقة العاملة الوطنية مما يؤدي الى تبلور طبقة عاملة يعوًل عليها، لأن العامل الأجنبي مؤقت)، وتقنين وضبط أنظمة التجارة خصوصا ًفيما يتعلق بسهولة الاستيراد مع ضمان عدم قتل الصناعة المحلية.

 إذ يجب أيضا العمل على تسهيل إجراءات منح تصاريح الاستثمار وتخصيص الأراضي المطلوبة للمشروعات الاستثمارية، ومنح حماية جمركية من السلع المماثلة من أجل تمكين القطاع الخاص من التغلغل إلى الأسواق المحلية ومنافسة المنتج الأجنبي والاستحواذ على الأسواق المحلية، وتطبيق سياسة إحلال الواردات مع إيجاد سوق تنافسي واجتماعي بعيد عن الاحتكار. إن تحفيز القطاع الخاص لدعم الإنتاجية في ظل الواقع الاقتصادي القائم في السعودية سيغير النظام الاقتصادي ليكون قاطرة للنمو والتقدم في اتجاه رفع مستوى إنتاجية الفرد بدلاً من الاعتماد المزمن على المورد النفطي.

 ولكنني إزاء الوضع الحالي للقطاع الخاص لا أتفق البتة مع الرأي القائل بأن هذا القطاع أصبح قادرًا على التحليق وحده عالياً، فقطاعنا الخاص مع بالغ الأسف أصبح يتكل وبشكل مفرط على الدعم والإنفاق الحكومي، أي أصبح مثله مثل أطياف المجتمع "انتهازي" وينتظر الفرصة المواتية للانقضاض نحو الاستحواذ على قطاعات قامت الدولة بتجهيزها وصرفت المليارات لكي تصبح تلك الأصول مربحة. وفي اعتقادي فإنه من الواجب أن توضع أنظمة وتشريعات استراتيجية واضحة تنظم الإنفاق الحكومي؛ وكل هذهالإجراءات يجب أن تكون محفزة على الإنتاجية.

لذلك ومن أجل رفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد السعودي فإننا نحتاج إلى إعادة هيكلة القطاع الصناعي وتطويره لينتج منتجات حديثة يمكن أن ننافس بها في الأسواق العالمية، مع الاهتمام بالبحث والتطوير من أجل ضمان استمرار تطوير منتجات جديدة أو المنتجات الحالية، مع الاستمرار في تطوير قطاعات الخدمات خصوصا المولدة للفرص الوظيفية الجاذبة للعمالة السعودية (مثل السياحة والسفر والنقل وخدمات التعليم والصحة والغذاء والبناء وتجارة التجزئة وغيرها). من هذا المنطلق أود القول بأن للقيادات الإدارية الأثر البالغ في رفع مستوى إنتاجية الأجهزة الحكومية وإنتاجية الموظف بشكل عام. 

أخيرا اختم هذه المقالة بالتذكير بأن الانتاجية بشكل عام عبارة عن مدخلات ومخرجات؛ لذلك نحتاج الى صناعات عصرية مجهزة بآليات وتقنيات حديثة، ويواكب ذلك توفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية وترفيهية وكفاءة تشغيلية تخدم العلاقة بين المدخلات والمخرجات لتخفيض كلفة الإنتاج وساعاتالعمل؛ كل ذلك لن ينجح دون تعاون الجميع من القطاعات العام والخاص وغير الربحي.

باحث في علوم وهندسة المواد ومهتم في علوم الإدارة الهندسية - [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو