الأحد 14 ربيع الثاني 1442 - 29 نوفمبر 2020 - 08 القوس 1399

الادخار في رؤية السعودية 2030

عبدالله بن محسن النمري

صدرت موافقة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في منتصف العام الماضي على حزمة من البرامج التنفيذية التي تهدف إلى تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، و أحد تلك البرامج هو برنامج تطوير القطاع المالي الذي يتمحور دوره في " تطوير قطاع مالي متنوع وفاعل، لدعم تنمية الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز الادخار والتمويل والاستثمار..". 

نظرة سريعة على وثيقة برنامج تطوير القطاع المالي كافية لملاحظة الأهمية التي أولاها البرنامج للتخطيط المالي والادخار، فقد جعلته أحد ثلاثة أهداف رئيسة للبرنامج. وقد يبرز هنا تساؤل مشروع عن أهمية الادخار التي جعلته يشكل ثلث أهداف هذا البرنامج المحوري المهم؟ 

وثيقة البرنامج أجابت عن هذا التساؤل اجمالا، منطلقة من حقيقة أن معدل ادخار الاسر السعودية من الدخل السنوي المتاح لها هو 2,4 % فقط! وهو معدل متدن جدا إذا ما قورن بالمعدل العالمي البالغ 10%، وهو المعدل المعترف به دوليا كحد أدنى لضمان الاستقلالية المالية على المدى الطويل بحسب وثيقة البرنامج. ومن المعلوم أن لانخفاض معدل الادخار انعكاسات سلبية على الاقتصاد بشقيه الكلي و الجزئي، من ذلك على سبيل المثال، انخفاض الودائع المصرفية طويلة الأجل، وتوجيه الاصول المالية السائلة إلى أصول ثابتة وهو أمر قد يحدث عنه على المديين المتوسط و الطويل تشوهات اقتصادية، ومشكلات تنموية مختلفة.

لم أقف على دراسة معتمدة أو بحث منشور يناقش أسباب تدني معدل الادخار بين الأسر السعودية، و أفترض أن السبب الرئيس وراء اضمحلال ثقافة الادخار هو التغيرات الاقتصادية والتنموية المتتالية التي شهدتها الأسرة السعودية خلال العقود الخمسة الماضية – على أقل تقدير- و تحول معظم الأسر من العمل الزراعي، والرعوي ،  والتجاري ، والحرفي البسيط الذي يتسم بعدم ثبات الدخل وما يحدثه من قلق لرب الاسرة على نفسه ومن يعول،  إلى التحول للعمل المنتظم ذي الدخل الثابت الذي ترافق معه مجانية الخدمات الاساسية الاخرى المقدمة للفرد كالصحة والتعليم.. وغيرها، الأمر الذي بدأ معه اضمحلال ثقافة الادخار تدريجيا نتيجة الاسترخاء و الدعة. 

وكأي سلوك مجتمعي آخر، فإن إحياء ثقافة الادخار بين أفراد المجتمع لابد وأن يبدأ بالاسرة، فالاسرة في المجتمع كالخلية في الجسد، وهو ما يستدعي استحداث برامج توعوية مختلفة تعنى بالثقافة المالية وعيا وتخطيطا، في عمل متسق منظم تتكامل فيه منظمات القطاع الحكومي والخاص وغير الربحي.

أتاح لي عملي الاطلاع على تجارب عدة لجهات اقليمية ودولية تقدم منتجات ادخار للافراد والمنظمات، واستلزم عملي - كذلك - مراجعة اطروحات عدة تناولت تمكين الافراد من الادخار، وتصميم برامج خاصة للمنظمات بشتى تصنيفاتها تقدم بها منتجات ادخار لموظفيها، واكاد أجزم أن مجمل ما اطلعت عليه ينطلق من أهمية فهم احتياجات الفرد لمساعدته في بناء موزانة خاصة به يراقب بها دخله ، ويسترشد بها للتحكم في مصروفاته.

في ظني أن أنجع الاطروحات التي ناقشت تمكين الفرد من الادخار، وتبسيطه له، هي قاعدة 50-30-20 التي تهدف إلى تقسيم صافي دخل الفرد إلى ثلاث مجموعات، أولاها مجموعة الاحتياجات كالسكن والغذاء والخدمات والنقل ويرصد لها 50% من الدخل، أما المجموعة الثانية فهي مجموعة الرغبات كالهواتف والاجهزة الالكترونية الاخرى وأشباهها ويخصص لها 30% من الدخل، و المجموعة الثالثة هي مجموعة الأهداف المالية ويخصص لها 20% من الدخل وتشتمل على مخصص الطوارئ و الادخار. وأعتقد أن أهم ما يميز قاعدة 50-30-20 هو أنها تركت تحديد الحاجات والرغبات والاهداف المالية محل تقدير المدخر، فهو أمر يختلف تبعا لاختلاف ثقافة الفرد و دخله وعمره وحالته الاجتماعية وغير ذلك من المعايير المعتادة.

ختاما، إجعل نفسك الدائن الأول، وحدد لنفسك تبعا لذلك قسطا شهريا ثابتا كأي قسط دين اعتدت على سداده سابقا، و تأكد أنك إن فعلت فستصل للأمان المالي لا محالة، فإن لم تفعل -لا سمح الله -  فستفقد تدريجيا تحكمك بالمال،  وسيصبح المال متحكما بك ولو بعد حين، وتذكر أنه ( ما عال من اقتصد).


 

رئيس تنفيذي لشركة متخصصة في الصكوك الادخارية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو