الاثنين 18 ذو الحجة 1440 - 19 أغسطس 2019 - 27 الأسد 1398

متى تستعيد البنوك المركزية استقلاليتها؟

محمد ابراهيم المنقور

في ظل ظروف تسود فيها الكثير من المخاوف بشأن تباطؤ الاقتصاد العالمي، يراقب المستثمرون في جميع أنحاء العالم عن كثب السياسات النقدية التي تنتهجها البنوك المركزية العالمية. تعتبر البنوك المركزية مؤسسات مستقلة تهدف بشكل رئيسي إلى السيطرة على مستويات التضخم و نسب البطالة. لكن بعض الأحداث التي جرت مؤخرا قد أدت إلى إثارة الكثير من التساؤلات أهمها هل تتمتع البنوك المركزية باستقلالية حقيقية، أم أن استقلاليتها قد أصبحت مثارا للشك بسبب التدخلات السياسية في طريقة عملها؟

فمنذ سنوات، تتناقل وسائل الاعلام انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لسياسات رئيس الفيدرالي الامريكي جيروم باول حول أسعار الفائدة ، حيث شاع أن الرئيس ترمب كان يضغط عليه بشكل دائم لتخفيض أسعار الفائدة وتحفيز الاقتصاد. أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد أصدر مرسوما رئاسيا بإقالة محافظ البنك المركزي مراد سيتينكايا لسبب واحد هو أنه رفض الانصياع لأوامره بتخفيض سعر الفائدة، فقد كان البنك المركزي التركي بقيادة مراد يحافظ منذ سبتمبر الماضي على نسبة فائدة حول 24% لتثبيت سعر صرف الليرة التركية، ولكن إردوغان ارتأى أن هذه الإجراءات مؤذية للاقتصاد التركي، فقام بطرد مراد لأنه رفض تطبيق نظريته القائلة بتخفيض سعر الفائدة لدعم الاقتصاد. 

ولا يقتصر الأمر على تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، فحكومات بريطانيا وإيطاليا والهند تقوم كذلك بالتدخل في شؤون بنوكها المركزية مما يثير الشكوك بخصوص استقلالية هذه البنوك المركزية.
يكتسب الإقرار بضرورة استقلال البنوك المركزية أهمية كبرى لما في ذلك من أثر حاسم على تطبيق السياسات النقدية. ولا تحتاج البنوك المركزية إلى شخصيات كارزماتية بمواصفات قيادية عالية لتحقيق أهدافها، بل تحتاج إلى اقتصاديين لديهم من الخبرة ما يكفي ليجعلهم يفهمون مجريات الدورة الاقتصادية إضافة إلى معرفتهم بأدوات نقدية متعددة لتطبيق السياسات النقدية. لذلك لا مفر من السماح لرؤساء البنوك المركزية بالعمل باستقلالية كاملة وإلا فإن البنوك المركزية ستتحول إلى دمى بيد الحكومات، وتصبح أسيرة للقرارات قصيرة المدى التي تتخذها الحكومات لأغراض سياسية.

إن تضارب المصالح بين السياسات الحكومية والسياسات النقدية للبنوك المركزية هو أمر يفرضه توجه الحكومات نحو توفير السيولة وتخفيض سعر الفائدة لتحفيز الاقتصاد وكسب المزيد من الشعبية لدى المواطنين الناخبين، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع السياسات النقدية للبنوك المركزية والتي قد ترتأي تطبيق آليات مغايرة للتوافق مع مجريات الأوضاع الاقتصادية السائدة. وتؤدي هذه التدخلات الحكومية إلى عواقب كارثية على المدى الطويل، فانتهاج سياسة تخفيض سعر الفائدة يحد من قدرة البنوك المركزية على إدارة التضخم والسيطرة عليه مما يؤثر سلبا على النمو الاقتصادي وسعر صرف العملة. ويذكر التاريخ الاقتصادي الأمريكي أن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قام بشيء مماثل حين ضغط على رئيس البنك الفيدرالي المركزي آرثر بيرنز لتخفيض سعر الفائدة عام 1971، ورغم أن هذا قد أعطى ثمارا إيجابية على المدى القصير، ولكنه أدى في النهاية إلى مضاعفة نسبة التضخم مما أثر سلبا على قيمة الدولار الأمريكي، وعندها لم يجد البنك الفيدرالي مفرا من رفع سعر الفائدة بمستويات قياسية لمواجهة التضخم المتنامي، مما أدخل الاقتصاد الأمريكي في حالة الكساد مرتين، وهكذا فإن التحسن الاقتصادي القصير الذي حققه نيكسون بفضل تخفيض سعر الفائدة قد أنتج على المدى الطويل اقتصادا أمريكيا مترديا ذو نسب تضخم عالية وكساد متكرر.

يتمتع محافظوا البنوك المركزية ببصيرة نافذة حين يتعلق الأمر بإدراك حقيقة ما يجري في الدورة الاقتصادية السائدة، وهم فوق ذلك يتمتعون بالمعرفة والفطنة اللازمتين لوضع سياسات نقدية فعالة خلال المراحل المختلفة للدورة الاقتصادية، وهذه البصيرة الاقتصادية هي بالتحديد ما يفتقر إليه السياسيون الذين يتخذون قرارتهم عادة مدفوعين بتوجهاتهم السياسية التي تقوم على كسب المزيد من الشعبية عبر تخفيض سعر الفائدة. ولكن يفترض أن لا تجري الأمور بهذه الطريقة، فعندما يتمتع البنك المركزي باستقلالية كاملة، يصبح بإمكانه تحديد الأدوات النقدية وأسعار الفائدة بما يتماشى مع الوضع الاقتصادي الفعلي السائد حاليا.

 فعلى سبيل المثال، تمكن الاقتصادي الأمريكي (بين بيرنانك) رئيس البنك المركزي الفيدرالي للفترة ما بين 2006-2014 من إدارة أزمة الرهن العقاري و الأزمة المالية عبر تطبيق أدوات نقدية مبتكرة والتيسير الكمي (Quantitative Easing) لتوفير السيولة وتحفيز الاقتصاد. 

وفي الثمانينات، قام رئيس البنك المركزي الفيدرالي وقتها (بول فولكر) بتطبيق إجراءات نقدية صارمة للسيطرة على مستويات التضخم العالية التي كانت تدمر الاقتصاد الأمريكي. وفي كلتا الحالتين، نجحت هذه الإجراءات في تحقيق الأهداف المطلوبة لأنهم كانوا يتخذون قراراتهم بناء على منطق النظريات الاقتصادية التي كانوا على دراية كاملة بها، وليس بناء على الحالة السياسية للبلاد. لذلك فإن استقلالية البنوك المركزية لها أثر حاسم على النمو الاقتصادي و السيطرة على مستويات التضخم و نسب البطالة  وثبات سعر صرف العملة، ولا يجب الانتقاص منها بأي حال من الأحوال.        

متخصص في الاستثمار [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • يتم التعرف على السطور والفقرات تلقائيا. وسم فصل السطر <br />، و وسم بداية الفقرة <p>، و وسم إغلاق الفقرة </p> تضاف تلقائيا. إذا لم تعرف الفقرات تلقائيا، أضف سطرين فارغين بينها.
اسماعيل الكاتب يتخيل انه في العام 2020 ويقدم رؤية متكاملة عن حلول...
ابو كريم الحقوق والإجراءات في ذلك
مشعل للاسف ان لجنة المساهمات اضرت كثيرا باصحابها وبمساهميها وذلك...
متعب موضوعك شيق ومع كل الاحترام لاصحاب وجهات النظر الأخرى...
محمد الشيخلي غالب قصص الثراء بدات من عمل بسيط ومتواضع وقدر يحتقره كثير...