السبت 15 شوال 1441 - 06 يونيو 2020 - 16 الجوزاء 1399

الإبلاغ عن المخالفات (Whistleblowing) في شركات المحاسبة

عبدالعزيز سعود الشبيبي

تؤمن شركات المحاسبة العالمية وكجزء من سياسة الالتزام وإدارة المخاطر التي تتبعها بمبدأ المحاسبة الذاتية على مستوى الفرد أو الفريق أو المنشأة التابعة لها وهو ما يدعوها أن تتوقع أن يقوم كل فرد وجهة تابعة لها بالعمل والتصرف وفق المبادئ المنصوص عليها ضمن أخلاقيات العمل الخاصة بالشركة العالمية والمتوفرة لكافة العاملين والتي تأتي متشابهة فيما بين شركات المحاسبة العالمية ومتوافقة مع الأعراف المهنية والأخلاقية ومن أهمها العمل وفق النزاهة المهنية والمحافظة على الموضوعية والاستقلالية وتعزيز مبادئ التعددية والشمولية ومحاربة التمييز بكل أشكاله وأنواعه.

تطبق شركات المحاسبة تلك نظام الإبلاغ السري عن المخالفات وهو ما يعرف بمصطلح (whistleblowing) والذي يشجع كافة العاملين لديها أو العاملين لدى ممثليها في كافة دول العالم على استخدام الوسائل المعتمدة من قبل الشركة المحاسبية للإبلاغ عن أي مخالفات للأنظمة والمعايير والسياسات الداخلية للشركة كأحد الأدوات التي تراقب داخلياً مصداقية وفعالية سياسات الالتزام وتعزز إدارة المخاطر وتذكرهم بشكل مستمر على أهمية ذلك من خلال رسائل إلكترونية دورية تصلهم من قبل إدارة المخاطر والالتزام ومن خلال أيضاً الملصقات المنتشرة في أرجاء مقار العمل لزيادة الوعي بالحقوق والواجبات.

تحدد الأنظمة الداخلية للشركات المحاسبية السياسات التي تحكم حقوق أصحاب البلاغات والأطراف المقدمة بحقهم البلاغات والوسائل النظامية للتواصل مع الجهات المنوط بها النظر في تلك البلاغات ومعالجتها وفق ما تمليه كل حالة بلاغ من إجراءات تصحيحية وعلاجية ومن أهم تلك السياسات المحافظة على سرية البلاغات وما يتبعها من تحقيقات وحماية أصحاب البلاغات من أي إجراءات انتقامية إزاء البلاغات المقدمة من قبلهم وكذلك حماية الأطراف محل البلاغات من البلاغات الكيدية أو التي لا تتسم بحسن النية.

تتلقى إدارة المخاطر والالتزام والتي تعمل بشكل مستقل عن الإدارات التنفيذية  للمنشأة التي تقع فيها المخالفات وحالات عدم الالتزام أنواع مختلفة من البلاغات بعضها يتعلق بأمور إدارية داخلية تتعلق في الغالب بممارسات ذات صلة بالموارد البشرية وحقوق العاملين وبعضها يرتبط بالأمور الفنية المتعلقة بشؤون العملاء والخدمات المقدمة لهم وتقوم تلك الإدارة بفرز البلاغات الى بلاغات غير جدية أو بلاغات لا تمثل مخالفات لتقرر الاكتفاء بحفظها وبلاغات تنم عن احتمال وجود مخالفات إدارية أو فنية جوهرية لأخلاقيات العمل أو للأنظمة والمعايير المهنية ذات الصلة قد يؤدي عدم تصحيحها او معالجتها واتخاذ ما يلزم بحق المتسببين فيها المساس بسمعة الشركة العالمية ومسؤولياتها الأخلاقية والتعاقدية أمام أصولها البشرية والمستفيدين من ما تقدمه من خدمات مهنية لهم.


بينما يسهل في الغالب التعامل مع البلاغات المتعلقة بمخالفات إدارية داخلية ومعالجتها بعيداً عن أي أطراف خارجية في الحالات التي لم تخرج فيها تلك المخالفات خارج أسوار المنشأة واتخاذ ما يلزم بشأنها بشكل عادل ومقبول، يصعب على الجانب الآخر التعامل مع المخالفات ومعالجة آثارها عندما تتعلق تلك المخالفات بأمور مرتبطة بعدم الالتزام بالأنظمة والمعايير المهنية المعمول بها وحين تبدو متراكمة ومتكررة وتنم عن سلوك مؤسسي أكثر منه سلوك فردي لما قد يترتب على ذلك من الإقرار ضمنياً بالمسؤولية عن المخالفة وتبعات ذلك من المسؤولية التضامنية لتصبح كافة الخيارات صعبة جداً مما قد يوجب النظر الى تلك المبادئ من منظور تقديري له خاصية التمدد والانكماش وفق الظروف الداخلية والخارجية حفاظاً على سلامة سمعة العمل المؤسسي والقائمين عليه ومخاطر أن ينعكس ذلك سلباً على أنظمة وسياسات جودة الأداء الداخلية بدرجة قد تطال مصداقية كيان الشركة المحاسبية العالمية ككل.

تتأنى الجهة المعنية في الشركة المحاسبية في النظر في نتائج التحقيق في البلاغات الجوهرية والتي قد تطال أكثر من طرف يثبت تورطه في المخالفات المهنية والأخلاقية خوفاً من أن يتسبب ما يلزم عليها القيام به من إجراءات تصحيحية وعلاجية فورية في ردة فعل الأطراف المتورطة في المخالفات المهنية بدرجة قد يخرجها للعلن مما يتسبب في فقدان المحافظة على سرية المخالفات ودخول أطراف خارجية دائرة المطالبة بالمحاسبة والتعويض عن ما قد يكون أصابهم من ضرر مباشر أو غير مباشر جراء تلك المخالفات ناهيك عن أن تسرب مثل تلك الأخبار الى مسامع المنافسين يمنحهم فرصة تنافسية كبيرة لاقتطاع حصص من الكعكة التي تسيطر عليها الشركة المحاسبية محل المخالفة.

على الرغم من المخاطر العكسية التي تحيط بنظام الإبلاغ السري عن المخالفات إلا إن الشركات المحاسبية ترى فيه منافع تفوق المخاطر لعل أهمها أن مثل هذه المنصة توفر خط دفاع أول داخلي للشركة المحاسبية في التعرف على المخالفات الغائبة عنها ومحاولة إصلاح وعلاج آثارها داخلياً وبشكل مقبول للمتضررين منها ويمنع تطورها وخروجها الى أطراف خارجية يصعب معه احتواء تبعات تلك المخالفات من النواحي المهنية والقانونية.

ترى الشركات المحاسبية أهمية أن تحاط كافة البلاغات عن المخالفات وإجراءات التحقيق بشأنها والإجراءات العلاجية والتصحيحية اللازمة للبلاغات التي يثبت صحتها بأقصى درجات السرية حفاظاً على مصلحة الشركة وسمعتها وتمنع تداول أي تفاصيل عنها داخلياً وتحرص على عدم تسرب أي معلومات عن ذلك الى خارج الشركة حتى لا يتم استغلال ذلك من قبل المنافسين بشكل سلبي يؤثر على مكانتها السوقية وثقة مواردها البشرية الحالية والمستقبلية وثقة السوق عامة.

تطالعنا وسائل الأعلام المختلفة من وقت لآخر عن بعض حالات الاستهداف والنيل ممن قاموا بالإبلاغ السري عن مخالفات ما وعن فشل الإجراءات التصحيحية والعلاجية التي قامت بها الشركة المحاسبية من منظور أصحاب البلاغات في رفع آثارها ورد الاعتبار المهني والأخلاقي لهم وعن الأضرار التي تعرضوا لها جراء استخدامهم لتلك المنصة رغم الضمانات المقدمة لهم بالحماية وعدم السماح بالانتقام منهم.

التجارب السابقة لمن جربوا استخدام أنظمة الابلاغ السري عن المخالفات وكيف انتهت بهم إلى خيبة أمل كبيرة وما انتهت إليه علاقتهم بالشركة وأصحاب القرار وزملائهم أفقد الكثيرون الثقة في هذه الوسيلة التي لا تعدو في نظرهم على أن تكون سوى فلاشات إعلامية وأحد المتطلبات المتوقع العمل بها من قبل شركات المحاسبة العالمية وأن الضرر الذي يمكن أن تلحقه بهم وبمستقبلهم المهني والوظيفي يفوق ما يمكن أن تحققه لهم من العدالة المستحقة. 

فقدان وسيلة الإبلاغ عن المخالفات حتى وأن كانت سرية للاستقلالية الكاملة والحقيقية يقلل من توقعات وثقة البعض في النتائج والإصلاحات المتوقعة منها وقد يحدى بهم إلى اللجوء إلى الجهات المستقلة ذات الصلة بطبيعة المخالفة ويجنبهم الدخول في مواجهة مع أطراف عديدة ومختلفة قد تجتمع مصالحها ولو بشكل مؤقت في الذود عن مصالح المؤسسة العالمية وممارساتها أمام ما يعتقد أنها مخالفات وحتى لا تطال أصحاب تلك المصالح من قريب أو بعيد.

تختلف مصداقية هذه الآلية من شركة إلى أخرى وتختلف النتائج المتوقعة منها تبعاً لذلك وتختلف تجارب من أستخدمها ليبقى من هو راض عنها ومن قد يكون أصيب بخيبة أمل وطاله الضرر منها ويبقى لكل طرف وجهة نظره ولا أحد يستطيع أن ينكر ما قد يفرضه وجود مثل هذه السياسة من نظام مؤسسي عام يعزز ولو نظرياً بيئة عمل أكثر مهنية وأخلاقية في شركات المحاسبة العالمية.

محاسب قانوني AAlshabeebi @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

أحمد الراجحي مقال جميل مهندسنا ، ولغة سلسة يفهمها غير المتخصصين بقطاع...
محمد شمس تدوير الطعام الزائد والستفد من كا اعلاف للماشي وسمت عضوي
راجح ال الحارث السلام عليكم انا عملت عند مؤسسة بعقد محدد المده لمده سنه من...
سلام موضوع طويل، وكلام مشتت، وطريقة سرد اذهبت لمعة الموضوع....
معالي كنت اشتغل بشركة وتم إيقافي عن العمل بسبب الكورونا انا لست...

الفيديو