الاثنين 17 محرم 1441 - 16 سبتمبر 2019 - 24 السنبلة 1398

ماذا ينقص الاستثمار العقاري حتى يواكب رؤية 2030؟

يحيى الجدران

تجيءُ السنوات وترتحلُ على اقتصاد المملكة، فتؤثِّر به المطبَّات المالية الدولية فيما يمتصُّ القطاع النفطي الصدمات، في حين أنَّ الاعتماد على الصادرات النفطية هو أفضل الحلول في زمننا هذا على الإطلاق.

ففي الوقت الذي تتخبَّط فيه أسعار النفط نحو منزلق نزولي، أو يرتبك فيه الطلب على النفط نظراً للظروف الدولية، لا يبدو أنَّه من الحكمة توجيه الدفة بكاملها نحو الموارد النفطية ليس لفكرة نضوبها في المستقبل وحسب، بل لأنَّ أسعارها لا تعكس دائماً قيمتها؛ وهذا ما يجعل الاستناد على النفط أشبه باستنزاف لموارد الاقتصاد.

وبناءً عليه، فقد جاءت رؤية 2030 حتى ترسم لوحة استشرافية لمستقبل المملكة، وكان من المتوقَّع أن تُمهِّد لمرحلة ما بعد النفط؛ حيث أنَّ بنية الاقتصاد الهيكلية باتت بحاجة إلى التحضير من الجذور حتى تستطيع استيعاب الانتقال من مفاصل الاقتصاد النفطي نحو اقتصاد تشغيلي يتمتَّع بالثقل المالي.

وإن كان قطاع الصناعة في المملكة – وبشكل خاص الصناعات البتروكيميائية - قد قطع أشواط جيدة من النمو والعوائد، وفي الوقت الذي يواجه قطاع الزراعة صعوبات أساسية طبيعية، فقد كان لزاماً التوجُّه نحو قطاع الاستثمار العقاري إلى جانب بعض القطاعات الطموحة كالقطاع السياحي أو التقني.

فالقطاع العقاري هو الملاذ الآمن لرؤوس الأموال في الدول المستقرة، حيث نجد أنَّ الاستثمارات العقارية لا تتوقَّف عن النمو حتى في الاقتصاديَّات العريقة كالاقتصاد البريطاني.

إلاَّ أنَّ النقطة المفصليَّة في التوجُّه نحو الاستثمار العقاري تكمن في أنَّ الأسواق العقارية الواعدة تُعتبر استثماراً مُضاعِفاً للأرباح؛ حيث نجد العقارات في المدن الجديدة أو قليلة الشهرة تقفز قيمها العقارية قفزاتٍ كبيرةٍ، ممَّا يدرُّ عوائداً خياليَّة على المستثمرين، على عكس المدن العريقة – مثل لندن - التي يتضاءل سقف العائد من عقاراتها نتيجة بلوغ قيمة تلك العقارات لحدودها السوقيَّة القصوى تقريباً.

وفي ظلِّ كل هذه المعطيات، فقد كان الحل أمام التخطيط الاقتصادي متوسِّط وبعيد المدى في المملكة هو التوجُّه نحو تحسين بيئة الأعمال – ومنها العقاريَّة - وإعادة تأهيل المدن الاقتصاديَّة التي أكَّدت عليها رؤية 2030 (صـ48).

ويبدو أنَّ التخطيط الاقتصادي العقاري في المملكة قد ركَّز بشكل كبير على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في الأصول العقارية المملوكة للدولة، إلاَّ أنَّ رؤية 2030 بمعناها الواسع تتضمَّن القطاع الذي يجلب التمويل للقطاع العقاري.

فالشركات ومشاريع الأعمال العقارية القادرة على بناء القرى والمدن بشتَّى صورها السياحية أو السكنية أو الصناعية لن تقدر على استكمال عملية تدوير رأسمالها إن كان السوق العقاري راكداً أو متضخِّماً أو ناقصاً للسيولة.

فيبدو لي أنَّ السوق العقارية الراكدة هي تلك السوق التي يُحْجِم الطلب فيها عن التوجُّه للعقار لسببين، إمَّا لتضخُّم أسعار العقارات بما يجعل من الاستثمار بها أمراً غير مجدٍ من ناحية العائد أو لشح السيولة لدى الراغبين بشراء العقارات.

ولذلك، فإنَّ بيئة الأمان والاستقرار والنمو في المملكة لا تكفي وحدها لتحقيق المأمول في قطاع الاستثمار العقاري، بل تكمن كلمة السر في نشاط التمويل العقاري للمواطنين الذي يتمثَّل في تمكين شركات التمويل القادرة على رأب الصدع بين الطموح العقاري للمواطنين والتجَّار وبين مشاكل التضخُّم ونقص السيولة لديهم.

فبغضِّ النظر عن التمويل العقاري التجاري المباشر الذي يمنح المستثمر العقاري تمويلاً لإنشاءاته ومقاولاته، فإنَّ التمويل المطلوب هو غير المباشر المُوجَّه نحو المواطنين من أشخاص عاديِّين أو صناعيِّين أو تجَّار؛ لأنَّه التمويل القادر على تحريك الطلب.

فشركة التمويل العقاري -إن رافقها سهولة في إجراءات الترخيص والعمل وارتفاع في مستوى إدارتها وشفافيَّتها- ستكون قادرةً على تغذية قطاع الاستثمار العقاري بشكلٍ غير مباشرٍ عبر توجيه مُدَّخرات المواطنين نحو شراء العقارات الجديدة التي يقوم على إنشائها ذلك القطاع.

حيث إنَّ توفير التمويل العقاري للمواطنين والتجار سيمنح المستثمر العقاري فرصةً للتوسع في مشاريعه العقارية، وهذا ما سيدفعه نحو تخفيض هامش ربحه عن العقار الواحد نظراً لاتساع نطاق أعماله؛ حيث بات يُحقِّق ربحاً في مجموع مشاريعه أكثر ممَّا لو رفع سعر العقار الواحد.

وبالنتيجة فإنَّ تمكين قطاع التمويل العقاري سيُحقِّق أهدافاً متوازيةً ومتناقضةً معاً، حيث أنَّه سيجلب المزيد من الطلب العقاري وسيدفع التضخُّم نحو الانخفاض رغم ارتفاع الطلب؛ وبهذه الطريقة تكون السوق العقارية في المملكة قد حقَّقت صورة السوق المرنة المثالية.

وبعد هذه المرحلة، إن ارتفعت أسعار العقارات نتيجة ارتفاع الطلب ومحدوديَّة العرض، فإنَّ ذلك سيصب في مصلحة المواطنين والتجار الذين استفادوا من عروض التمويل العقاري، وباتت مدَّخراتهم تنمو مع ارتفاع قيمة عقاراتهم، ويكون الوقت قد حان لموجة جديدة من التمويل العقاري.

وبهذه الطريقة يصل السوق العقاري السعودي مع حلول رؤية 2030 إلى درجة السوق الكفء التي تعكس فيها الأسعار السوقية قيمة العرض والطلب من جهة، دون أن يكون هناك أي عجز في توفير السيولة أو تضخُّم في الأسعار من جهة أخرى.

وهنا يقع عبءٌ ثقيلٌ على نظام الشركات وأنظمة مؤسَّسة النقد السعودية في احتواء نشاط التمويل العقاري ضمن إطارٍ مُنضبطٍ ومرنٍ في آنٍ معاً؛ الأمر الذي يستوجب عدم الاتِّكال على الأنظمة بالقدر الذي يجب فيه الاعتماد على التنظيم الذاتي لشركة التمويل العقاري عبر تطبيق معايير الحوكمة، وهو ما سنراه في المقال القادم إن شاء الله.

محامي حاصل على درجة الدكتوراه في القانون الخاص [email protected]

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه Abdullah في 09/11/2019 - 14:09

كلام جميل ومعبر

إضافة تعليق جديد