الثلاثاء 23 صفر 1441 - 22 أكتوبر 2019 - 29 الميزان 1398

غرقنا في شِبر موية! 

م. أنس علي الدريني

ينطلق التخطيط العمراني من أساسيات تراعي احتياجات المجتمع وخصائص البيئة من حوله سعياً لبناء أحياء نموذجية تتوائم  مع النمو السكاني لتمنح المواطنين سُبل الراحة والأمان في أحياء  متجددة راقية. 

 ويعتمد التخطيط العمراني على بيانات ومعايير كثيرة منها مخرجات الإحصاء ومعدلات النمو لوضع التقديرات المستقبلية، وتأمين السعة اللازمة لإستيعاب الزيادة أيا كانت، وجميعها معايير بديهية لعمل تخطيطي مدروس هدفه بناء أحياء ومدن نموذجية تسهم في تسريع عجلة التطور والنماء، وهو ما كنا نتطلع لوجوده في منظومة الأحياء الجديدة، التي تقع بعيدا عن مناطق التكتل، وعن وسط المدينة، غير أن الواقع خالف  المأمول، بل خالف  أبسط أبجديات التخطيط، لنُصَابَ حتى اللحظة بدهشة عارمة من خلال ما نشاهد وما نسمع . 

فالتكدس العمراني والعشوائيات وتكسّر الطرق وتعدد المداخل والمخارج وانعدام المسطحات الخضراء، وسبل التصريف لمياه الأمطار، وشبكة الصرف الصحي، أصبحت  ملمحا لا تخطئه العين في عدد من الأحياء التي نعتبرها جديدة كحي التيسير بجدة، والذي وجدناه عند بدء الإنشاء على ما يرام لتعاجلنا الأيام بصورة مشوهة عنه  يعتريها الكثير من المشكلات البيئية التي لا تنتهي، ليبقى السؤال المُلح ترى ما الذي يحدث؟ 

للأسف الشديد يتم السماح للمطورين العقاريًين  بالتقسيم والبيع لمجرد قيامهم بسفلة طرق وبناء مسجد وتأمين أعمدة إنارة، ولكن لا بنى تحتية ولا خطوط تصريف ولا أنظمة لمراقبة المياه الجوفية لا مسطحات خضراء لا ملاعب لا مداخل لا لوحات ولاآآآآآت تطول، لنجد أن الضحية مواطن بسيط دفع ما وراءه ودونه من أجل امتلاك وحدة سكنية تحتضن أسرته وآماله! 

ومن هنا تبدأ رحلته مع معاناة لا نهاية لها أمام ارتفاع مفاجئ لمنسوب المياه الجوفية، تسببت به تسربات مياه الصرف الصحي، وهي نتيجةً حتميةً للانعدامِ التام لأنظمة وخطوط ومضخات الصرف الصحي وانهيارات خزانات التجميع الأرضية واختلاطها بخزانات مياه الشرب بعض أحيان، وهكذا ليُنهك هذا المغلوب على أمره في دوامة من الخسائر المادية التي لا طائل لها . 

إن افتقار أحيائنا لأبسط المقومات هو أمر خطير، وهنا لابد للأنظمة البلدية أن تكون أكثر صرامة للحد من التساهل في تأمين البنى التحتية من قبل المطورين للأحياء الدارجة في المخطط العام للمدن، وسعي البلديات نفسها للإسراع بتأمين شركات متخصصة لإيجاد حلول للأحياء المنكوبة؛ أمام تفشي مشكلاتها البيئة من فياضانات وروائح وانتشار للحشرات.    

وأرى أن من أهم هذه الحلول؛ استكمال تنفيذ شبكات الصرف الصحي في أسرع وقت ممكن، وربطها بشكل دائم بمحطات المعالجة القريبة، والعمل على الاستفادة من المياه المعالجة المُنتجة في استستزراع  الأراضي، وأيضا تأمين قنوات مفتوحة وأنابيب ممتدة إلى البحر أو إلى برك التخزين المؤقتة لتصريف مياه الأمطار والتي بسبب انعدامها في عدد من الأحياء صرنا نغرق في شبر (موية) .

ولأنني أومن بأنه لا مستحيل في مجال الهندسة، فإنه لابد من حلول لكل مشكلة مهما استعصت، وحتما  لدى الشركات ذات الخبرة حلولا  مدعمة بتقارير وحسابات، وكما قيل أن تصل مؤخرا خيرا من ألَّا تصل أبدا.

إن مثالية الحي السكني منظومة تستند على تأمين البنى التحتية وتنفيذ  ممرات للخدمات utility corridors تؤمن  للساكن الجديد فروعا للخدمات التي يحتاجها؛ من تصريف وتمديدات كهرباء واتصالات، وذلك لتجنب الحَفْر المتكرر؛ الذي يتسبب في تكسير وانهيارات الطرق والتربة.

كل تلك الترتيبات في هذا المجال يجب أن ترتبط بمنظومة تخطيطة رقمية لتسهيل الوصول لأعمال الصيانة والتحديث مستقبلا لعلنا بذلك نواكب التجارب الناجحة في تجربة الأحياء النموذجية كالأحياء التي نشاهدها في الهيئة الملكية بينبع والجبيل.

---------
للتواصل : [email protected]

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو