الاثنين 15 ربيع الثاني 1442 - 30 نوفمبر 2020 - 09 القوس 1399

رسالة إلى الشخصية الاعتمادية في القانون: هل تحب وطنك؟

عبدالله الوهيبي

عزيزي المتستر التجاري ... هل تحب وطنك؟

سؤال من ثلاث كلمات يحوي بداخله ألف معنى، لا شك أننا جميعاً نحب وطننا؛ نحبه وان اخطائنا في حقه وحق المجتمع كثيراً لكننا نحبه أكثر من ذلك؛ وهو يعلم بذلك لهذا نجده يتحمل الكثير منا ولا يلفظنا خارج جسده؛ فكم من شخص تم التلاعب بعقله وكاد للوطن بمكائد قاتلة فاحتواه الوطن وأعاد تأهيله؛ كم من شخص ارتكب جرم أضر بالوطن ومجتمعه واحتواه الوطن وأعاده الى المجتمع بعد تهذيب سلوكه؛ فحب الوطن يعني حمايته وحماية أمنه واقتصاده واستقراره واحترام قوانينه والتعايش مع أفراد المجتمع المواطنين والمقيمين على أرضه. 

عزيزي المتستر؛ بتسترك التجاري فأنت تقوم بالإضرار بالاقتصاد الوطني لما في ذلك من تراجع لمستويات المملكة في مؤشرات الشفافية ومستواها في معدلات تطبيق الأنظمة والقوانين المعمول بها دولياً ، كما أن لذلك أضرار ومخاطر أمنية واجتماعية كبيرة يتعرض لها الوطن والمجتمع بأكمله لما في ذلك من إضعاف السيطرة على حركة النقد داخل المملكة ؛ كما أنك بهذه المخالفة تتسبب في تفشي المنافسة الغير مشروعة وذلك يتوافق مع القاعدة العرفية ( من أمن العقوبة أساء الأدب) وبتسترك ذلك فإنك تمنح الوافد كافة السلطات والصلاحيات التي تجعل منه شخص هلامّي متلبساً لشخصيتك يتصرف باسمك كاملاً من الناحية القانونية والتجارية في العمل المتستر عليه فيه دون أن يلحقه أي مسؤولية قانونية أو التزامات مالية حيال تلك التصرفات.

كما ان جميع حالات التستر يتبعها غش تجاري مما يعني أنك بذلك قد تسببت في ازدياد حالات الغش التجاري وذلك أمر طبيعي لأنه قد أمن العقوبة؛ إضافة الى ذلك فإنك قد سمحت بذلك التستر لهذا الوافد من مزاحمة المواطنين في أعمالهم بصورة غیر مشروعة حيث أنك سهلت لهم العمل في مجالات ترى الجهات المعنية حصرها على السعوديين لاعتبارات اجتماعية أو أمنية أو اقتصادية.

 ايضا بذلك تساهم بشكل مباشر في نمو حجم البطالة وتشارك في تصدير الأموال الضخمة التي تقدر بمليارات الريالات خارج المملكة مقابل حصولك على حفنة ريالات كانت في الأصل هي حقاً مشروعاً لك لاسيما أنك بذلك تسمح لهم باحتكار بعض الأنشطة التجارية وتتسبب بشكل أساسي وجوهري في تزايدأعداد العمالة الوافدة مما يؤثر في البنية الديموغرافية للمملكة ويؤثر ذلك سلباً على الوطن زيادة أعباء الإنفاق على المرافق الخدمية، والصحية، والتعليمية كذلك يشكل ذلك خطراً محققاً في تزايد أعداد المخالفين لنظام الإقامة. 

والآن بعد أن استعرضنا تلك الآثار فلنتأمل ذلك جميعاً ولنفكر قليلاً ونتساءل بجدية: عزيزي المتستر .. هل تحب وطنك؟؟؟!!

لقد أظهرت جميع الاحصائيات والدراسات الاقتصادية بأن التستر التجاري قد استنزف نسبة كبيرة من اجمالي الناتج المحلي لوطننا الغالي خلال السنوات الخمس الماضية لمصلحة الغير؛ أناس أخرين لا نعرفهم ولا ينتمون لوطننا ولا يحرصون على مصلحته بشيء؛ استفاد منها المتستر عليه وحده الذي يمارس أو يستثمر في نشاط غير مرخص له بممارسته أو الاستثمار فيه بموجب نظام الاستثمار الأجنبي أو غيره من الأنظمة واللوائح والقرارات ومنها النشاط التجاري أو المهني، أو الصناعي، أو الاقتصادي، أو الزراعي، أو أعمال السمسرة والوساطة، أو الأعمال المصرفية أو البنكية، أو التعليمية، أو النقل، أو غيرها من الأنشطة سواء عن طريق استعمال اسمك أو ترخيصك أو سجلك التجاري أو بأي طريقة أخرى لم تكن مسجلة لدى الجهات المختصة بالسماح لغير السعودي بالاستثمار أو ممارسة هذا النشاط ويعد من أوجه التحايل أيضاً عمله بأي طريقة أخرى كالعمل بالنسبة أو بالقطعة دون اشراف او تبعية منك وفي ذلك حماية لك أنت وليس لغيرك.

فبتسترك أنت تمنح شخص آخر غيرك الحلول محلك في كل شيء وتمنحه حرية تقرير مصيرك دون أحقية لك في الاعتراض على ذلك ؛ فأنت تسلمه سلطة وصلاحية إساءة سمعتك أو حتى سجنك وتقييد حريتك. 

عزيزي المتستر أن مستوى المخاطرة يختلف بين متستر وآخر فالتستر مخاطرة على مستوى جميع الأنشطة عليك أنت أولاً قبل المتستر عليه فقد يدخلك المتستر عليه في التزامات مالية كبيرة تفوق قدراتك المادية لأنه يتعامل بصفته انت؛ وقد يحملك مسؤوليات قانونية كبيرة باستخدامه مواد بناء مغشوشة أو غير صالحة مما يؤثر على جودة البناء الذي قد يصل الى سقوط هذه المباني ومنها الى القتل لأنه يتعامل بصفته انت.

 كما قد يستخدم مواد غذائية منتهية الصلاحية مما يسبب حالات التسمم مما يؤدي لتحملك أنت المسؤولية بدلاً عنه لأنه يتعامل بصفته انت؛ أو قد يستخدم طرق احتيالية مما قد يدخلك في قضايا نصب واحتيال لأنه يتعامل بصفته انت .

 التستر جريمة تقوم بذاتها عقوبتها قد تصل الى السجن سنتين ومليون ريال غرامة على كل شخص وشطب السجل التجاري ومنعك من مزاولة النشاط مرة أخرى والتشهير باسمك بصفتك مدان وليس متهم وهناك فرق بينهما. فلو تأملنا جميع ما ذكر أعلاه لنسأل أنفسنا هل هناك ما يستحق المخاطرة؟ هل المجاملات أو المعرفة السابقة أو حفظ الجميل أو طول مدة الصداقة أو مبلغ زهيد لا يذكر نظير ما يحققه المتستر عليه من فائدة، يستحق منك المغامرة والمخاطرة ومواجهة جميع ما ذكر؟؟؟!!!

لم يفت الأوان؛ نعم عزيزي المتستر والمتستر عليه لم يفت الأوان ولا تفوته على نفسك فلا زالت الفرصة متاحة أمامك لتصحيح وضعك فقد أعطت الفقرة الأولى من المادة الثانية عشرة من اللائحة التنفيذية لنظام مكافحة التستر التجاري الحق لوزارة التجارة والاستثمار أن توصي بإعفاء من تقدم ببلاغ قبل اكتشاف المخالفة من بعض العقوبات في حالة تصحيح أوضاعه وتعاونه في الكشف عن المخالفة والمشاركين فيها تشجيعاً لهم.

 فالمجال لازال متاحاً أمامكما و أمام أحدكما من تصحيح الوضع قبل فوات الآوان وقبل اكتشاف الجريمة؛ ومخالفتك سيتم اكتشافها لامحالة فوسائل اكتشاف الجرائم أصبحت متطورة؛ ولعل أبرز أهم وسائل اكتشافها هو الأنظمة والمبادرات الحديثة التابعة للبرنامج  الوطني لمكافحة التستر التجاري جعلت من جميع الجهات الحكومية يداً واحدة في محاربة هذه الجريمة وجاري تضييق الخناق على أطرافها مما سيجعل الساحة التجارية تلفظهما خارجها وتكشف أمرهما عاجلاً كي تحافظ على شفافيتها وخصائص عديدة أهمها خاصيتي الائتمان والسرعة وهما ما تقوم عليهما الاعمال التجارية بشكل أساسي وكلاهما يخضع لمظلة الثقة.

لهذا من الأفضل أن يبدأ المتستر أو المتستر عليه بأنفسهما ومعالجة أوضاعهما والاستفادة من المادة المذكورة أعلاه؛ ذلك قبل أن يتم اكتشاف جريمتهما ويكون قد فات الأوان؛ ولنستشعر جميعاً حس المسؤولية والواجبات الوطنية اتجاهنا ونساهم بالكشف عن أي حالات تستر تجاري نتثبت من وجودها بالتبليغ للجهات الرسمية ؛ ولكون أن جريمة التستر من الجرائم الخفية فقد قامت وزارة التجارة والاستثمار بمبادرات عديدة من شأنها التسهيل على من يكشف عن وجود جريمة تستر تجاري وقد خصص النظام في مادته التاسعة مكافأة مالية قد تصل الى (30%) ثلاثين في المائة من الغرامات المحكوم بها المحصلة لمن يكشف أو يبلغ – من غير المختصين – عن المخالفين لنظام مكافحة التستر التجاري؛ إذا قدم دليلًا يصلح الاستناد إليه في البدء في التحقيق، وصدر حكم نهائي بثبوت المخالفة، ولم يكن متستِّرًا أو متستَّرًا عليه، وتوزع المكافأة في حالة التعدد بالتساوي، فهل نجد بيننا مستقبلاً من يستشعر الحس الوطني ليقوم بالكشف عن جرائم التستر التجاري متى اكتشفها وتيقن من صحتها؟!

ولعلنا نرى مستقبلاً من الجهات المختصة إنشاء لجنة خاصة بتصحيح وضع المنشآت المخالفة لنظام مكافحة التستر ومنحهم مهلة تصحيحية بإشراف هذه اللجنة وتكون إما بالترخيص للغير سعودي وتسجيل شراكته بشكل نظامي أو فض هذه الشراكة والغاءها باعتبار انها باطلة بموجب قوة النظام ؛ حيث أن الكثير من أطراف التستر قد يكون لديه الرغبة في تصحيح وضعه ولكن يمنعه جهله أو خوفه من الوقوع تحت طائلة العقوبة. 

كما أن الجريمة في تطور مستمر ولا يكفي فقط لمكافحتها اصدار نظام وتطبيقه بل يجب من توعية المجتمع بأضرار هذه الجريمة وأثرها المباشر على المتستر أولاً ومن ثم تبيان أضرارها على المجتمع بأكمله وأضرارها على الوطن -حفظه الله من كل شر – ولأن مكافحة الجريمة يجب أن تكون أولاً بتقويم السلوك الأساسي للفرد لهذا سنجدد أننا بتقويم سلوك أبنائنا وبناتنا منذ الصغر على نبذ التستر فإننا من المؤكد أننا سنجني ثمار ذلك بنتائج إيجابية مستقبلاً.

 ولعلنا نرى مستقبلاً دوراً لوزارة التعليم ضمن مبادرات البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري حيث أن لوزارة التعليم أثراً كبير ودور فعال على شريحة كبيرة في المجتمع وتثقيف أبنائنا وبناتنا طلبة الجامعات ؛ فلو تم اعتماد برامج تثقيفية توعوية من قبل وزارة التعليم للجامعات والكليات للتوعية والتثقيف بمخاطر التستر وبدائله سنجد أنه هناك فرق كبير جداً وانخفاض ملحوظ في مؤشرات التستر التجاري لاسيما وأن هذه الفئة اجتمع فيها ثلاثة جوانب هي إمكانية استخراج سجلات تجارية لتجاوزهم العمر المصرح به لاكتساب الصفة التجارية و كذلك بحثهم عن زيادة مصادر الدخل وتأمين المستقبل وكذلك افتقارهم للخبرة اللازمة لتفريق بين ما هو نافع وضار .
 

مستشار قانوني بشركة قابضة - ومدرب قانوني معتمد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو