السبت 06 رجب 1441 - 29 فبراير 2020 - 09 الحوت 1398

صناعة النفط... مستقبل يكتنفه الغموض

د. بندر عبدالعزيز المنقور

قد تواجه الكثير من القطاعات الصناعية التنموية مجموعة من التحديات مما يجعلها نظريا على وشك الانتكاس أو حتى الزوال بعدما حققت درجات سامقة من النمو والتطور، من هذه القطاعات قطاع صناعة النفط؛ تلك الصناعة التي تمر بتحول كبير؛ فهي لم تعد تعتبر صناعة متنامية وسلسة فقط، إنما قد تكون في فترة الهبوط مقارنة مع الصناعات الأخرى، لدينا بعض الأقاويل الخاطئة منها الاعتقاد بأن نمو أي صناعة مضمون طالما أن هناك زيادة في أعداد السكان مع رغبتهم للشراء، أو الاعتقاد بعدم وجود بديل منافس للمنتج الحالي؛ وبالتالي لا يمكن أن نستغني عن المنتج، أو أننا نحصر اهتمامنا بأحد المنتجات الرئيسية المعتمدة، أو على تحسين جودة المنتج، أو تخفيض تكاليف الانتاج... إلخ.

من هذا المنطلق من الممكن أن نتصور أن قطاع النفط سيتحسر يوماً ما على نجاحاته السالفة، حيث أن أغلب الابتكارات تقتصر فقط على تكنولوجيا استكشاف مكامن النفط ثم استخراجه وتكريره، ولا يشمل ابتكارات أخرى وطرق جديدة للتسويق، فضلا أن أغلب الابتكارات تصل من شركات النفط الصغيرة والغير منشغلة أصلا بالإنتاج أو التكرير، مما أدى الى تحديات كبرى في صناعة النفط، فما الذي يتعين علينا فعله لتحاشي هذا المصير؟

قبل أن أتناول ما الذي ينبغي علينا فعله إزاء هذه المعضلة دعونا نتذكر التاريخ عندما كان الطلب على النفط قد ارتفع بوضوح بسبب استخدامه في إنارة المصابيح بزيت الكيروسين، فظن الكثيرون أن هناك نمواً هائلاً ينتظرهم، ولكن كانت شركات النفط في عصر مصابيح الكيروسين تتسابق فيما بينها وفي ضد مصابيح الغاز وفجأة حصل ما كان المتوقع، فقد ابتكر المخترع الأمريكي الشهير توماس إديسون المصباح الكهربائي الذي لا يعتمد اطلاقا على النفط الخام، ومن ثم عادت الكارثة مرة أخرى بعد تقديم اختراع عظيم آخر ليس له أدنى صلة بقطاع النفط؛ وهو في أنظمة التدفئة المركزية المنزلية التي تعمل على الفحم مما جعل المدافئ المنزلية السابقة تضمحل، ولكن سرعان ما انطلق هذا القطاع مجددا عبر محرك الاحتراق الداخلي والذي اخترع من قبل قطاعات أخرى، وكمثال أخر فإن ثورة الغاز الطبيعي لم تبدأ من شركات النفط -والتي تملك الغاز أيضا وهو منافس شرس له-، وانما بدأت من قبل شركات نقل الغاز الجديدة والتي سوقت له كصناعة حديثة هائلة، وهو تحدي قوي ومعاكس لتوجه شركات النفط، لذلك كان ينبغي على شركات النفط أن تكون من يطلق ثورة الغاز؛ فهي لا تمتلك الغاز فحسب؛ بل كانت الوحيدة التي تدرك كيف تتعامل معه، فتستخرجه وتستخدمه وتنقله...، وبالتالي ذهبت  المليارات التي كان يجب أن يستحوذ عليها أباطرة صناعة النفط الى آخرين، حصل ذلك بسبب انغماسهم المحصور بمنتج واحد والقيمة الإضافية التي يتملكها، من غير أن يبدوا اكتراثاً كافياً للاحتياجات الرئيسية الأخرى للعملاء ولخياراتهم المفضلة، كل هذا يبرهن مجدداً أن صناعة النفط قد تشهد تغييرات متقطعة ومرحلية؛ كما أنها دائما تنجو عن طريق الابتكارات والتطوير التي غالبا ما ظهرت من قطاعات مغايرة لقطاع النفط، وذلك بسبب اعتقادهم عدم وجود منافسة للنفط، هناك مصادر بديلة أخرى للطاقة؛ ولكن لا أحد يعلم فقد يصبح البنزين في طريقه كذلك الى الزوال.

في الوقت الحاضر تعمل كثير من شركات النفط بشكل محموم على أبحاث تطوير خلايا الوقود -أي تطوير خلايا تعمل على الكيماويات الهيدروكربونية-، ولكننا نجد بالمقارنة تدني وقلة الأبحاث على البطاريات أو الطاقة الشمسية، فنجد الانفاق المتواضع على هذه المجالات المهمة؛ على عكس أبحاث في مجالات أخرى مثل تقليل الرواسب عند عملية الاحتراق داخل محركات البنزين، لذلك فأنا أتساءل: لماذا لا تتوجه شركات النفط الى منحنى اخر؟ قد يتساءل البعض كذلك: ألن تؤدي صناعة البطاريات أو الطاقة الشمسية الى قتل خطوط الإنتاج الحالية في هذه الشركات؟ والاجابة بالتأكيد: نعم؛ ولكن هذا هو السبب الذي يجب أن يدفع شركات النفط الى الاهتمام في تطوير وحدات أخرى للطاقة قبل أن يقوم غيرهم بذلك، لذلك لا ينبغي إطلاقاً أن تحصر شركات النفط نفسها في مجال أو منتج محدد- كالبحث على النفط أو تكريره أو بيعه-، ولكن يحتم عليها أن تهتم بصدق على تلبية حاجات عملائها، مما يرفع من مستوى نموها وأرباحها، من المهم أيضا أن نتذكر بأن هناك مصادر غير نفطية للمواد الخام الأساسية كالفحم، لذلك يجب البحث عن مصادر أخرى للطاقة بدل الوقود الأحفوري ومنها أنظمة تحويل الطاقة الشمسية كوقود للسيارات.

وفي الختام فإن كل ما أحاول قوله هنا يهدف الى تذكير أنفسنا بأنه ليس هناك من ضمانة تحول أو زوال أي منتج، ولا استثني منها النفط، فاذا لم تنجم الأبحاث التي تقوم بها شركات النفط نفسها في زوال المنتج، فان أبحاث الشركات الأخرى ستقوم بذلك، ومالم تكن صناعة النفط محظوظة حتى الان، فإنه لم يكن لها أن تهبط تماما كما حصل في أوروبا مع قطاع السكك الحديدية أو مع مصنعي السياط المستعملة في جر عربات الخيول، ومع كبار شركات الأفلام، ومع العديد من الصناعات الأخرى، لذلك يجب أن لا نغفل ونسعى لمعرفة أهم عوامل النجاح في كافة القطاعات، والا يكون فكرنا محصوراً بالإنتاج الشامل وبالجملة للوحدات المتشابهة.
 

باحث في علوم وهندسة المواد ومهتم في علوم الإدارة الهندسية - [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

احمد العتيبي مالميزات والسلبيات للموظفين
ماجد عقيلي ابو فراس برزت خبرة وتجربة كاتب المقال في اعطاء فكرة عن مايجب ان تكون...
احمد اهم شرط لتولي رئاسة جمعية خيرية ان يكون سليما من الفكر...
mustafa هل يجوز للعامل مباشرة العمل في اول يوم للإجازة السنوية علما...
رائد المالكي الموضوع جداً شيق يا دكتور حسن وبالفعل أوجزت وأجدت. بارك...

الفيديو