الجمعة 25 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019 - 30 القوس 1398

معادلة الابتكار

د. بندر عبدالعزيز المنقور

عادةً ما تفضل الشركات البيروقراطية الكلاسيكية الابتكارات الأمنة والمبنية على نجاحاتٍ سابقةٍ بدلاً من البحث عن ابتكارات جديدة في تطويرها مخاطرة ومن الصعب التكهن بمدى نجاحها، ولاشك في أن "ثقافة الشركة" كما أسلفت في مقالتي المنشورة سابقاً هي العامل الرئيسي في دفع عجلة الابتكار؛ والذي من خلاله نستطيع بناء منظمةٍ مبدعةٍ تقدم أفضل الممارسات في مجال الابتكار من أجل ترجمتها الى واقع ملموس لخلق فرص تجارية جديدة.

ناقشت في إحدى المرات فكرة السماح للموظفين بتمضية وقتهم بحرية أكبر والتفكير بشكل "غير تقليدي" لاكتشاف بل وارتكاب الأخطاء -أي غرس ثقافة التسامح، كما أنني تحدثت أيضا على أهمية تحفيز الموظفين ضمن كافة الأقسام في الشركة وتهيئة البيئة المساعدة على استثمار وقتهم في تقديم أفكار مبتكرة، ولكن يوجد ثمة عوامل هيكلية وليست ثقافية تساهم في التحول الثابت الى منظمة مبتكرة.

في هذه المقالة أحببت أن ألخّص أهم ما جاء في بنود معادلة الابتكار؛ والتي قدمها الفيزيائي ورائد الأعمال صافي باهكول، وهو مؤلف كتاب "المشاريع الخلاقة: كيفية تغذية الأفكار المجنونة التي تربح الحروب وتعالج الأمراض وتحول الصناعات" حيث قدم نموذجاً فريداً لتعزيز الابتكار من منظور المتغيرات الهيكلية بدلاً من الجوانب الثقافية، ولعلها تكون نموذجا مفيدا لنا في تطوير الابتكار في مجتمعاتنا.

يرى باهكول أنه يمكن للقادة تعزيز الابتكار مع تبني أفكار "غير تقليدية" بغض النظر عن حجم الشركة وذلك عن طريق حسن التحكم فيأربعة متغيرات رئيسية: جزء المساهمة ونسبة الملاءمة والتمدد الاداريوالزيادة في الراتب، لاحظوا أن كل تلك المتغيرات لا تعتبر من عناصر "الثقافة"؛ ولكنها عناصر رئيسية مرتبطة بهيكلة المنظمة، حسب المعادلة أدناه:


                جزء المساهمة × نسبة الملائمة × (التمدد الإداري)2
الابتكار =    ________________________________           
                                   الزيادة في الراتب 

دعونا نبدأ  بتفسير المراد بعنصر المساهمة: والذي يعني مدى تأثير الحوافز على أداء المشروع، قد يتفق البعض والبعض لا يتفق بأن هناك علاقة طردية بين الراتب وجودة العمل، فليس بالضرورة أن تكون الحوافز ماديةًصرفةً مثل العلاوات والمكافئات، بل من المهم النظر في الحوافز المعنويةوتقدير زملاء العمل لنجاح المشروع.

ثانيا: نسبة الملاءمة: وتعني العلاقة بين نسبة ملاءمة المهارات للمشروع والعائد على السياسات، إن ملاءمة المهارات للمشروع تقتضي قياس المكافأة على الوقت الذي استثمر في تنفيذ المشروع، أما العائد على السياسات فهو قياس المكافأة على الوقت الذي استثمر في السياسة وهو أمر قد يصعب قياسه بتقدير مدى فاعلية مزاولة الضغوط وبناء العلاقات والترويج الذاتي في قرارات الترقية، كلنا نتفق بأنه لاشك في أن نسبة الملاءمة ستكون أفضل إذا جعلنا مستويات الأدوار التي يؤديها كل الموظفين تناسب مهاراتهم بدونزيادة أو نقصان.

ثالثا: التمدد الإداري: وهذا يعني امتداد المستويات الإدارية في المؤسسات -بمعنى أصح متوسط عدد المرؤوسين لمدراء الشركة-، فعندما يكون الامتداد كبيراً تكون الترقيات هي "هوس" الموظفين ومحط أنظارهم، لاسيما ميل الباحثين المتصاعد حول الالقاب والمناصب بدلا ًمن مواجهة التحديات ورفع الإمكانات في الشركة. ولكن في المقابل لو وجدت شركة بها امتدادٌ إداريٌضيقٌ -مثلا يوجد بها مستوى اداري واحد فقط بين المدير التنفيذي والموظفين الذين يقومون بالعمل البحثي والتطويري الحقيقي- فستكون في هذه الحالة فرص الترقيات نادرة وبالتالي لن ينشغل بها أحد من الموظفين وسيركزون على عملهم، لذلك قد يكون التمدد الإداري الضيق هو الخيار الأحسن اذا كنانهدف الى تقليل معدلات الأخطاء وتميز تشغيلي عال. 

رابعا: نمو الراتب: وتعني متوسط الزيادة في الراتب الأساسي -والبدلات والامتيازات الأخرى- التي يتقاضاها الموظفون خلال الترقية ضمن التسلسل الهرمي. 

بالنظر الى كل هذه العناصر يرى باهكول أن هناك وسائل عديدة لتعزيز الابتكار ومنها أولاً: الترحيب بالنتائج وليس بالتسلسل الوظيفي -أي يجب على الإدارة إعادة هيكلة المكافآت لتكون بحسب النتائج وليس بحسب التسلسل الهرمي في الشركة- من أجل زيادة متغير عنصر المساهمة وتخفيض عنصر الزيادة في الراتب، ولكن مع الأسف فإن الكثير من الشركات تفعل العكس.

ثانياً: الحث على تقديم الحوافز المعنوية منهاتقدير زملاء العمل و مساعدة الاخرين، لاشك أن هناك شريحة من الموظفين لديها محركات ذاتية مثل الشعور بالإنجاز والتطور الشخصي أو الوظيفي،لذلك ينبغي على الشركات تقديم كافة المحفزات سواء المالية أو غير المالية لرفعدرجة كفاءة عمل الموظفين على إنجاح أفكارهم.

ثالثاً: إزالة السياسة من معادلة الابتكار قدر الإمكان؛ فمثلا تصبح قرارات الترقية لا تعتمد على مدير الموظف المباشر ولكن على تقييمات من أطراف محايدة، وذلك من أجل تحسين العمل بالمنظمة.

رابعاً: الاستثمار في تدريب الموظفين على مهارات الابتكار والقيادة وعلى زيادة وقت العمل في المشاريع مما يمنع إضاعة الكثير من الوقت في ممارسة الضغوط السياسية وبناء العلاقات.

خامسا: وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، وهذه في نظري تعتبر إشكالية كبيرة لدينا؛ ويتطلب حلها  تشكيل فريقٍ مركزيٍ صغيرٍ يقوم بإجراء مسح منتظم للشركة من أجل معرفة مدى تناسب المشاريع مع قدرات الموظفين بكافة خبراتهم، وذلك حتى نضمن أن الجميع يقوم بالعمل المناسب في الوقت والمكان المناسب.

سادساً: ضبط التمدد الإداري عند الشركات، وهنا ينبغي تشكيلضوابط أكثر مرونة للمنظمات الابتكارية، سابعاً: توظيف مسؤولين مؤهلين ومدربين بشكل جيد على ملاءمة الحوافز لاسيما تقديم نظام حوافز مغري. 

وفي الختام فإننا دائماً ما نرى الكثير من الشركات تتغير بسرعة وبوتيرة لا يمكن حسابها مسبقاً، لاسيما في رفض الأفكار الجريئة والعالية الخطورة، وبالتالي فإن ثقافة الابتكار ستبقى مهمة بلا شك، ولكن ينبغي ألا نغفل عن الاهتمام بهيكلة المؤسسات.

------------
[email protected] 

باحث في علوم وهندسة المواد ومهتم في علوم الإدارة الهندسية - [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو