الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019 - 26 العقرب 1398

في شركتنا مريض نفسي..!

أ.د. صالح الرشيد

لسنا أجساداً فقط تتحرك على الأرض، نفوسنا تتحرك قبل أجسادنا، أجسادنا تنشط عندما تنشط نفوسنا، وتعجز أجسادنا عن الحركة عندما تعجز نفوسنا عن المواجهة. والنفوس عندما تصيبها العلل فلا تنتظر من أصحابها أشياءاً ذات نفع وقيمة، وعندما ترتقي النفوس فانتظر مالم تتخيله أو تتوقعه. لذا فان الشركات العالمية تضع مفهوم الصحة النفسية في قمة إهتماماتها، وكثير من الأفكار والأساليب التي تطبقها هذه الشركات موجهة للتعامل مع نفسيات منسوبيها.

المرض النفسي قاتل، ومن ذاق مراراته يعرف أنه أكثر وطأة من كل الأمراض الجسدية، والمشكلة أن علاجه ليس سهلاً ويمتد لفترات طويلة، كثير من شركاتنا لا تخلو من أمراض نفسية ومرضى نفسيين، وكثير من شركاتنا يعجز مسؤوليها عن إدراك الواقع النفسي في شركاتهم، الطامة أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم ربما ضربتهم الأمراض النفسية وانتقلت العدوي منهم الى العاملين معهم ليتحول المكان الى مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معاني. ماذا نتوقع من مدير وساوسه وهلاوسه جعلته يشك في أنامله؟! وماذا نتوقع من موظف يتعامل مع زملائه بشك وريبة ويتصور أن الجميع حوله يدبرون له المكائد ويتآمرون عليه ولا يشغلهم أحداً سواه؟!

وما الذي يمكن أنتظاره من موظف تمدد على نسيج الاكتئاب مثلما تتمدد الضحية على نسيج العنكبوت؟! وهل يصلح موظفون للعمل بينما يقتلهم القلق ويفتقدون الشعور بالاستقرار ويستيقظون كل يوم على توجهات جديدة وقرارات نافذة؟! وكيف نتعامل مع آخر يعيش على المسكنات والمهدئات في مواجهة واقع صعب فرض سيطرته عليه وعجز عن مواجهته؟! وكيف يمكن التعامل مع مدير يتربع في قلبه الحقد والحسد؟!

الأمراض النفسية تختلف عن العوارض النفسية الطارئة، الأولى مستمرة ونافذة بينما الثانية قصيرة ومتغيرة، الطبيعي أن تكون نفوسنا بأحوال متغيرة، هذه طبيعة الحياة وطبيعة الانسان، لكن الأمور تتأزم عندما تتأصل هذه الأمراض في النفوس وتستقر بها فتضربها في مقتل، الاكتئاب على سبيل المثال، واحد من أخطر الأمراض النفسية، ويكفي أن نعرف أن هناك 300 مليون شخص في عالمنا يعانون من الاكتئاب، ليس بالضرورة أن يضرب الاكتئاب موظف بقوة تدفعه إلى الإنتحار، وإن كان هذا حدث أو يحدث بالفعل، لكن يكفي درجة من درجاته لتسلب من الموظف روحه وتفقده بريقه.

المشاكل النفسية هي من أكبر الأسباب التي تؤدي إلى غياب الموظفين وتفشي أمراض القلق والارهاق وضعف التركيز وفقدان الشهية للعمل والشعور بالتشاؤم وفقدان الشعور بالقيمة.

لا تخصنا هنا الأسباب الشخصية للأمراض النفسية التي تنشأ خارج حدود العمل وتخص الحياة الشخصية والأسرية لأصحابها، لكن يهمنا الأسباب التي تنشأ في بيئة العمل وتتسب في خلق الأمراض النفسية أو تفاقمها على أقل تقدير.

طول ساعات العمل وكثرة الضغوط وعدم التجديد في بيئة وطريقة العمل يهيئ لحدوث العديد من المشاكل النفسية، نفس المهام ونفس الأسلوب ونفس المشكلات، دعم الادارة في تغيير طريقة العمل وإتاحة أسلوب العمل المرن وتطوير المهام أمر في غاية الأهمية، الأنشطة الترفيهية وصنع بيئة داعمة للعمل الجماعي له دور مبهر في على صحة الموظفين النفسية وانجازهم.  ولنذهب الى بيئة العمل في جوجل على سبيل المثال لنرى مالا يخطر على بال في هذا المجال.

العلاقات السوية والايجابية بين الناس في بيئة العمل تشكل أرضية خصبة لصحة نفسية متميزة، الخلل في العلاقات يشكل عامل أساسي في حدوث الاصابات النفسية، ولنتصور علاقة غير سوية أو غير صحية بين مدير وموظف وانعكاساتها على الطرفين..! تعزيز العلاقات الاجتماعية في بيئة العمل وتقدير الموظفين والعاملين وعدم التميز بينهم يبقى هو أساس كل بيئة صحية في العمل.

 تفهم الإدارة لمشاكل واحتياجات موظفيها والاهتمام بالواقع الشخصي والاجتماعي للموظفين واجلال مسئولية الموظفين لحياتهم العائلية أمر مهم أيضاً ولا يصلح أن تنفض الادارة يدها منه، وربما تكتشف الادارة أن المشكلات الأسرية مرتبطة بمشكلات في العمل والرابط بين الاثنين لا يمكن إغفاله في كثير من الأحيان.

 التوجيه والارشاد ووجود متخصصين في النواحي النفسية في أماكن عمل الموظفين من الممكن أن يصنع الفارق في هذا المجال. فمن خلالهم يتعلم الموظفون مهارة التعامل مع الضغوط وممارسة الأعمال المحببة للنفس وفنيات الاسترخاء وتعديل سقف التوقعات وكيف يستعيد عافيته وسعادته.

أخيرا؛ بقدر قوة نفوسنا تقوى شركاتنا، وبقدر صحة موظفينا النفسية تصعد انجازاتنا؛ تمنياتي القلبية لكل موظفينا بالسلامة النفسية والمهنية وألف بعد الشر عن كل شركتنا الوطنية.

متخصص في التسويق ssalrasheed @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو