الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019 - 20 القوس 1398

التحرش في بيئة العمل

د. فاتن سالم آل ساري

في مقال سابق تطرقت إلى التنمر الوظيفي في مكان العمل، وماله من آثار سلبية على الموظفين في ظل عدم وجود سياسات وإجراءات واضحة تحمي المتنمر عليه بدون الحاق الضرر به؛ وحتى إن وُجدت تلك السياسات يظل التقدم بالشكوى لا يتم في جميع الحالات بسبب فقدان الثقة في قادة المنظمة. وأتناول في هذا المقال نوعاً أخر من المشكلات ذات الصلة في محيط العمل، قد يكون بنفس درجة خطورة التنمر أو أكثر خطورة، وهو التحرش في مكان العمل، حيث إنه من المواضيع المهمة خصوصاً مع تسارع دخول المرأة في سوق العمل على جميع المستويات الإدارية والوظيفية. 

وانطلاقاً من الاهتمام بعمل المرأة وتهيئة بيئة العمل بما يمكنها من الاندماج الكامل في سوق العمل، قامت حكومتنا الرشيدة بإصدار نظام مكافحة جريمة التحرش الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/96) وتاريخ 16/9/1439هـ، وقرار مجلس الوزراء رقم (488) وتاريخ 14/9/1439هـ، ويُجرم هذا النظام التحرش بجميع أنواعه وأشكاله، ويهدف إلى مكافحة جريمة التحرش، والحيلولة دون وقوعها، وتطبيق العقوبة على مرتكبيها، وحماية المجني عليه؛ وذلك صيانة لخصوصية الفرد وكرامته وحريته الشخصية، التي كفلتها أحكام الشريعة الإسلامية، والأنظمة. وفي سياق الاهتمام بإيجاد بيئة عمل صحية وآمنة، وتطويرها، وجعلها جاذبة للباحثين والباحثات عن عمل، وصيانة خصوصية الفرد وكرامته وحريته الشخصية، أصدرت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية القرار رقم (20912) وتاريخ 2/2/1440هـ المتضمن ضوابط الحماية من التعديات السلوكية في بيئة العمل في القطاع الخاص، والتي تلزم المنشآت على اتخاذ كافة التدابير الوقائية التي تمنع الخلوة بين الجنسين أثناء العمل.

ورغم وجود تلك الأنظمة التي تحمي جميع الأشخاص في منظومة العمل من ظاهرتي التحرش والتنمر، إلا أن التعامل بين الجنسين في بيئة العمل يظل في حاجة إلى توعية وتثقيف دائمين كون التحرش والتنمر يحدثان بشكل مستمر. وهذا يتطلب أن يكون التعامل مع التحرش بصورة أكثر واقعيةحيث إن الشخص المتحرَّش به يعزف عن تقديم شكوى ضد المتحرش لأسباب عدة منها: صعوبة إثبات التحرش كونه قد يحدث لفظياً، أو قد يكون من خلال النظرات غير المريحة من المتحرش، والذي يسبب آثاراً نفسية كبيرة على المتحرش به؛ مما يؤدي إلى الانسحاب من بعض الاجتماعات أو الأعمال المهمة لتجنب التعامل مع المتحرش؛ ومنها أيضاً أن المتحرش قد يكون من أصحاب المناصب العليا أو النفوذ في المنظمة، أو مدير أو مسؤول مباشر، وبالتالي يصعب على المتنمر عليه أو المتحرش به أن يتقدم بالشكوى خوفاً من الفصل من العمل، أو خوفاً من تشويه السمعة، أو جهلاً بإجراءات الترافع. وفي بعض الجهات قد يكون هناك تستر على حالات تحرش وتنمر عديدة حتى لا تتأثر سمعتها من وجود خلل فيها لعدم وجود سياسات داخلية واضحة.

وفي هذا المقال الموجز لا أسعى لطرح حلول قطعية لقضية التحرش، كون هذه القضية ذات أبعاد سلوكية واجتماعية وثقافية متعددة. ولكن أؤكد في عجالة على بعض الأفكار التي قد تكون منطلقاً أو مدخلاً لحلول تحد من التحرش وآثاره. فالقضية تحتاج إلى تضافر وتكامل الجهود. حيث يجب أن تقوم المنظمات ومنشآت القطاع الخاص بدورها ومسؤوليتها في هذا المجال لتُكمل ما قدمته الحكومة، من خلال وضع وتطبيق سياسات وإجراءات داخلية واضحة لمكافحة التحرش في مكان العمل. وتوجد عدة ممارسات من الممكن العمل عليها لتجنب التحرش كربط قيم المنظمة أو المنشأة بالمعايير والأخلاقيات المهمة لتجنب السلوكيات غير السليمة. وكذلك القيام بتقديم ورش ودورات تدريبية وتوعوية وتثقيفية منتظمة. بالإضافة إلى التطوير الشخصي الإلكتروني الذي من الممكن ان تقدمه المنظمة لموظفيها من خلال إرسال رابط إلزامي لجميع الموظفين أكثر من مرة في السنة الواحدة، يحتوي على أهم السياسات وحالات التحرش، والتأكد من كون كل موظف قد قرأ المعلومات بالرابط.

ومن الإجراءات التنظيمية المهمة التي يمكن أن تحد من التحرش بفعالية كبيرة، إيجاد جهة محايدة كآلية لتلقي البلاغات بشكل سري والتعامل معها؛ مما قد يسهم في حث المنظمات على وضع السياسات ونشر ثقافة وترسيخ السلوكيات الإيجابية وكيفية التعامل مع الطرف الآخر في بيئة العمل، وتشجيع المتحرش بهم من الموظفين والموظفات لتقديم بالبلاغات والشكاوى دون خوف أو حرج.


 

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو