الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 - 11 ديسمبر 2019 - 19 القوس 1398

المملكة تعزز التنافسية لتموضع اقتصادات الدول

د. جمال عبدالرحمن العقاد

تدرك دول العالم الكبرى ان اقتصاداتهم بالأمس لن تكون بالضرورة نفسها غداً من حيث القوة والقدرة التنافسية. فالموارد الطبيعية التي سيملكونها ليست في حجم وضعها كما في الماضي. ومع الثورة الصناعية والتقنيات المتقدمة في المعلومات والاتصالات - والتي أصبحت متاحة للجميع والمنافسة فيها محتدمة - ستجعل من الصعب على هذه الدول الكبرى المحافظة على مواقعها المتقدمة بلا منافسة مزعجة من قوى جديدة صاعدة. فالعالم يتشكل والاقتصادات تتموضع بحكم مقتضيات قوانين التطور نحو المستقبل.

عوامل التواجد القوي في عالم الغد عديدة. الثورة الرقمية وغيرها من أدوات، تعتبر قيم هامة جداً في تركيبة معادلة تموضع اقتصادات الدول في المستقبل ولكن لا تكفي خاصةً للدول الكبرى. لأن معادلة التموضع التنافسي لهم تحتاج لقيمة تمكنهم من تعزيز ثباتهم في مواقع يتطلعون لها.

والسؤال هنا: أين هذه القيمة الممكنة لتعزيز تموضع اقتصادات الدول الكبرى التنافسية في المستقبل؟ 

المملكة العربية السعودية كدولة محورية وبحكم مصداقيتها وموثوقيتها واتزانها وقدراتها وثرواتها، يُنظر لها ولاقتصادها كقيمة هامة جداً في تعزيز تموضع أفضل لاقتصادات الدول في عالم الغد. لذلك، تعمل الولايات المتحدة – على سبيل المثال - على تدعيم علاقتها مع المملكة وتعتبرها حليف استراتيجي لتضمن انفرادها بمكانتها كالدولة العظمى الأولى. الصين والهند يتنافسون لبناء علاقات استراتيجية مماثلة وقوية مع المملكة خاصة في مجال الطاقة وصناعاتها. 

وبنظرة سريعة على ما تحقق بين المملكة وروسيا - أثناء زيارة الرئيس الروسي ووفده الى المملكة في 14 أكتوبر 2019 - سنرى عدة شواهد على ذلك. فعندما ذكر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الى أن روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) كانت اول دولة تعترف بالمملكة العربية السعودية، لم تكن هذه العبارة آتية من فراغ. بل إشارة في طياتها الكثير من المعاني المرتبطة برغبة شديدة في بناء علاقة استراتيجية قوية مع المملكة. 

روسيا تدرك جيداً انها لكي تعزز موقفها كدولة عظمى في المستقبل فلابد من بناء وترسيخ علاقتها مع المملكة. لذلك، كانت باكورة بناء هذه العلاقة الاستراتيجية مباحثات تعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتقنيات العسكرية والتبادلات الثقافية. إضافة الى توقيع عدة اتفاقيات تجارية واقتصادية. ومن أهمها كان توقيع ميثاق بين الدولتين لتعزيز التعاون في التعامل مع متقلبات السوق البترولية بغرض دعم الاستقرار في أسواق النفط العالمية.

هذا الميثاق أتى بعد مرور ثلاث سنوات من بناء "اوبك بلس" الذي هندسه سمو ولي العهد اثناء اجتماع القمة العشرين في الصين عام 2016. اليوم، تأكد الجانب الروسي – الذي من الصعب أن يضع ثقته في أحد وهي مسألة متعلقة بموروثهم الثقافي - من أن المملكة طرف استراتيجي ذو مصداقية وموثوقية عالية ولا يمكن الاستغناء عنه او العمل بعيداً عنه. وسنرى تعاون وثيق في الصناعة و تقنيات التنقيب العميق والغاز والبتروكيماويات. وهذا كله يتعدى علاقة تقليدية بين عملاقي النفط.

العالم يتغير وتموضع الدول واقتصاداتها سوف يتغير. وهذا التغيير لن يستثني او يرحم أحد. المملكة ومن منطلق موقعها وثقلها ومسئوليتها خاصة في العمل على استقرار وازدهار الاقتصاد العالمي هي القيمة الممكنة في معادلة تعزيز التموضع التنافسي لاقتصادات الدول في المستقبل. الدول الكبرى – على وجه الخصوص - تدرك هذه الحقيقة.

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو