الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 - 11 ديسمبر 2019 - 19 القوس 1398

برامج ريادة أعمال الأطفال ... لنكن حذرين!

د. جمال عبدالرحمن العقاد

خرجت علينا في الآونة الاخيرة برامج تسمى بريادة أعمال الأطفال. الغرض منها – كما يُدَّعَى – هو تنمية روح الريادة في أطفال المملكة. من حيث المبدأ ربما تكون الفكرة جيدة. ولكن من حيث التطبيق والمخرجات التي نتطلع لها، فلا بد من التنبه والحذر والتأكد من ان هذه البرامج قامت على أسس علمية راعت فيها ما نتطلع اليه في إيجاد أجيال مؤهلة للمستقبل. 

والسؤال هنا: لماذا لابد أن نكون حذرين في تطبيق هذه البرامج؟ 

المقصود هنا هو برامج تعليم التجارة – تحت مسمى ريادة الأعمال - وليس ريادة اعمال حقيقية مرتبطة بالاختراعات والابتكارات. ولا حتى بالريادة المرتبطة بالسبق القائم على الفكر الناقد في مفهومها العام. المشاريع التجارية – تحت مسمى ريادة الاعمال – تركز على المصلحة المادية الشخصية. فيها الكثير من الضغوط النفسية حسب ما أشار اليه عالم السلوكيات "لاكيوس" قبل عدة سنوات. فهي اما تبني السعادة في الطفل من خلال التواصل مع الاخرين. أو تبني روح العدائية فيه عندما يفشل في تصريف بضاعته.

 إضافة، مجال تعليم ريادة الاعمال – بمفهومها الدارج المرتبط بالتجارة - لا تكسب الطفل أي مهارات معرفية أساسية والتي يحتاجها. وان كانت تعزز اكتساب الطفل لمهارات غير معرفية مرتبطة بالدوافع الشخصية كالنزاهة (زرع المفهوم مسألة هامة) والتواصل مع الاخرين. هذا ما وصلت اليه دراسة قامت بها جامعة أمستردام عام 2012 لتحليل فعالية تعليم ريادة الأعمال (العمل التجاري) في سن مبكرة. 

هذه البرامج الموجهة لطلاب المدارس في السن المبكرة تتطلب اشراف تربويين مختصين. لأن المهم هو خلق وغرس قيم من خلال مشاريع تهتم بالمجتمع وخدمته أكثر من كونها ذات منفعة اقتصادية. بحيث يكون عالم الطفل ومجتمعه هو محور البرنامج وليس السوق.

هذا ما أكدته نتائج مشروع برنامج نفذ في المدارس الابتدائية لتعزيز مفهوم ريادة الأعمال في المكسيك. فقد أسس الطلاب من خلال هذا البرنامج 1327 منشأة صغيرة ما بين عامي 2009 و2014. وأهم ما خرجوا به الباحثين من نتائج هو أن المعلم التربوي له الدور الحاسم في نجاح البرنامج على أساس تعزيز المعرفة والقيم والمشاركة المجتمعية.

ما يمكن ان نلقح به عقل الطفل من افكار حول الانتاج والتسويق والتنافسية وجمع المال ربما تكون نتائجه سلبية. ربما تبني في الطفل مبدأ ان كل شيء قابل للبيع لأجل المكسب الشخصي. إضافة، الطفل في السن المبكرة لا يحتاج لفنون التجارة بقدر احتياجه لاكتساب مهارات معرفية وغير معرفية حسب خططنا التربوية الخاصة بنا. مثل الفكر الناقد، التخطيط، اللغة، الخطابة، بناء النضج العاطفي والتعاطف، والمهارات الشخصية في التواصل اللفظي وغير اللفظي. إضافة الى تقبل الاخر وخدمة المجتمع. 

لا نقول بمنعها ولكن الحذر واجب في تطبيقها. لذلك، التخطيط لتنفيذ مثل هذه البرامج وقيادتها بواسطة التربويين مسألة هامة جداً. خاصة أن الطريق الى تعليم ريادة الأعمال (التجارة) في المدارس – وعلى مستوى العالم - لا يزال طويلاً ومتعرجاً ومحفوف بالمخاطر حسب مخرجات كثير من الأبحاث في هذا الموضوع  حتى الآن.
 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو