الثلاثاء 22 ذو الحجة 1441 - 11 أغسطس 2020 - 20 الأسد 1399

هل يتحمّل الريادي وحده مسؤولية إخفاقه في جذب الاستثمارات؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

هل من الإنصاف أن نُحمّل أبناءنا وبناتنا الروّاد كامل مسؤولية الاخفاق في اجتذاب المستثمرين وإقناعهم للاستثمار في مشاريعهم؟ خاصة مع وجود برامج إرشاد وتدريب من المفترض أنها أهلتهم وعرفتهم أساسيات جذب الاستثمارات وتبيّن لاحقاً انها لا تعكس واقع السوق للرّواد!
 
حماية الرواد الرائعين من الإخفاق في فتح الأبواب لجذب الاستثمارات لمشاريعهم تحتاج الى مرشدين محترفين (مستثمرين ممارسين) وأكاديميين من ذوي التجربة التطبيقية لكي يعرّفوهم بالأُطُر والأساليب واللغة الواجب العمل بها أثناء التعامل مع المستثمرين لدينا.
 
بعض الدراسات تُفيد بأن نسبة الرواد الحقيقيين اليوم وعلى مستوى العالم متفاوتة ما بين %1 و %7 من مجموع من يدّعون بأنهم روّاد أعمال. بالرغم من هذه النسبة الضئيلة الا ان حالات الفشل مرتفعة - بين من هم ضمن هذه النِسب - في إقناع المستثمرين للاستثمار في مشاريعهم. 
 
الأسباب عديدة لهذا الاخفاق. من أهمها أن أغلب الروّاد يعتمدون على معلومات منقولة من خطط عمل موضوعة مُسبقاً وحسب ما تعلموه. حيث أثبتت التجارب أن حوالي %92 من هذه الخطط مُسبقة التحضير – للمشاريع التي لم تبدأ بعد - هي ميتة قبل ولادتها. والنسبة الباقية (%8) – للمشاريع التي بدأت - تحتاج الى الكثير من التعديلات. 
 
محلياً، يوجد سبب إضافي ومهم جداً.  وللأسف أغفلت كثير من برامج الإرشاد والتدريب التطرق له. وهو أن الكثير من المستثمرين عندنا مازالوا في بداية رحلتهم الاستثمارية في المشاريع الريادية. ومازالت العقلية العقارية تأسرهم. هذه العقلية تربط أصحابها بعضهم ببعض. تماماً كالمكاتب العقارية في حال وجود صفقة ما. تبادل المعلومات فيما بينهم حول ما يعرض عليهم من مشاريع هي احتمالية قائمة. لذلك، نلاحظ في حالة فشل ريادي في عرض مشروعه على مستثمر ففي الغالب احتمالية الفشل مع مستثمر آخر واردة جداً. والسبب غالباً هو إشارات من الريادي أثناء تواصله أو عرضه تقلق المستثمر منه ومن مشروعه.
 
والسؤال هنا: ما هي هذه الإشارات التي بسببها يفشل ريادي الأعمال لدينا في اجتذاب المستثمر لمشروعه؟
 
يجدع الريادي أنفه بيده فور بث إشارات - أثناء التواصل أو العرض - ترفع من وتيرة قلق المستثمر. غالبا لم ينبهه أحد اثناء الإرشاد أو التدريب لكي يتجنبها. توجد إشارات عديدة ولكن أهمها ثلاث: 
 
الإشارة الأولى:
يموت الريادي في نظر المستثمر فور ان يطلب توقيع اتفاقية عدم الإفشاء أو حفظ السرية (NDA). لأن هذا الريادي يعتقد ان فكرته فريدة من نوعها. ما لا يعرفه الكثير من الرواد ان المستثمرين يعلمون جيدا ان الأفكار العبقرية نادرة جداً في هذا العالم. بل هناك ريادي في مكان ما في هذا العالم ربما يقدم نفس الفكرة لمستثمر آخر مع فروقات تكمن فقط في التنفيذ والفريق المؤسس. أو على اقل تقدير هناك من يفكر في نفس فكرة المشروع في الوقت الحالي أو في الغد القريب. 
 
لا بد أن يتفهم الريادي ان المستثمرين – بداية - لن يوقعوا اتفاقية عدم الإفشاء أو حفظ السرية لأنهم لا يستطيعون ضمان عدم تمويلهم لفكرة مماثلة من شخص آخر. هذا إضافة للمخاطر القانونية التي لا يمكنهم التحكم فيها في حال التوقيع. خاصة أن هناك من يقتات على هذه الاتفاقيات. كما أن طلب توقيع الاتفاقية يعطي انطباع أن الريادي لا يثق بالمستثمر. 
 
الإشارة الثانية:
المستثمرون عادة يبحثون عن تحقيق مخرج مربح. لا يمكن لأي مستثمر الدخول في مشروع بدون وجود استراتيجية مخارجة. لذلك، عدم وجود استراتيجية للمخارجة – مثل قبول الاستحواذ او الانطلاق نحو الاكتتاب مستقبلاً - يعني أن الريادي ليس لديه أي شيء يقدمه في مصلحة المستثمر. ولكن يظل هذا الموضوع حساس لأن الحديث عن المخارجة بدون تعاطي محترف في مراعاة سيكولوجية المستثمر قد يعطي انطباع لدى المستثمر بأن الريادي ينظر لفوز خاطف. مما يعني أنه غير ملتزم بمصالح المستثمر. لذلك على الريادي أن يتحدث فقط عن سيناريو مخارجة محتمل إذا كان في مصلحة الجميع أو اعتبار مناقشة الأمر بجدية في حال طلب المستثمر ذلك. 
 
الإشارة الثالثة:
يظهر كثير من الرواد أمام المستثمرين وكأنهم في أمس الحاجة الى التمويل لحد التوسل. قد يدل هذا التوسل انه لا يوجد أحد يود الاستثمار فيه اما لسوء فكرة المشروع أو لعدم قدرة الريادي على إدارة الأموال بالشكل الصحيح. كما أن مثل هذا الالحاح في الطلب ربما يدل على أن هذا الريادي يحتاج لمال المستثمر وغير مهتم لمساهمته في إنجاح المشروع. هناك من يستثمر لأنه يرى أن المشروع سينجح من خلال خبراته واتصالاته التي ستوصله الى مكاسب عالية في آخر المطاف. 
 
مهمة الريادي - بعد أن ينجح في تقديم نموذجه الأولي ويختبره في السوق - المضي قدما في تقوية وضعه التجاري. مما يستدعي في كثير من الأحيان الحاجة الى تمويل إضافي إما تقليدي أو جولات متتابعة لجذب الاستثمار في مشروعه. خاصة إذا كان المشروع قائم على فكرة جديدة جذرياً Disruptive Idea)). وهذه مهمة تحتاج لدعم معرفي محترف وبدراية جيدة بسيكولوجية المستثمر.
 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

عثمان البادية عندي سؤال مهم جدا في الفصل التعسفي، هل اسقاط إسم الموظف من...
مواطن اخي كما يعلم الجميع أن اسعار العقار في المملكة مرتبطة...
الشمري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انا اعمل في قطاع خاص وقبل 3...
نفر كويس واحد اسطوانة غاز 17ريال بيع على كلو مطعم بخاري في عالم سوي...
محمد الشيخلي بورك فيكم دكتور زيد ينبغي على المسلمين ان يقتبسوا اثرا من...

الفيديو