الجمعة 02 جمادى الثانية 1442 - 15 يناير 2021 - 25 الجدي 1399

نظرة تحليلية موجزة لميزانية 2020 .. الواقع والفرص!

ياسر بن محمد البشر

بالرغم أن الكثير من البيانات المالية المُعلنة لم تكن مفاجئة، حيث تقدم ذكر الكثير منها في (البيان التمهيدي للميزانية) قبل عدة أسابيع، إلا أن بيان الميزانية السنوي جاء ليكون أكثر تفصيلاً لما تقدم.
في هذا المقال سيتم إلقاء الضوء على أبرز ما جاء في ميزانية المملكة 2020، وسيتم تناولها لتكون على شكل نقاط رئيسية (وفي الوقت نفسه هي رسائل مفتوحة لصُناع القرار في السياسات المالية تحديداً، والنقدية والتجارية بشكل عام):

• ذكرت وزارة المالية أنها تستهدف -على المدى المتوسط- تطبيق (سياسة انكماشية Contracting Policy) من خلال (خفض النفقات وزيادة الإيرادات). لذا، يُتوقع أن يكون تعويض هذه السياسة المالية الانكماشية من خلال ضخ استثمارات كبيرة من صندوق الاستثمارات العامة في قطاعات اقتصادية متعددة، حيث يهدف الصندوق في برنامجه المُعلن (أحد برامج الرؤية الرئيسية) لتوسيع وتنويع استثماراته في اقتصاد المملكة، لا سيما وأنه قام بجمع 96 مليار ريال مؤخراً من خلال اكتتاب أرامكو في نوفمبر 2019. 

• عدم نمو فاتورة الأجور الحكومية (والتي تُعد ثاني أكبر خطر يواجه المالية العامة واقتصاد المملكة بعد "تقلبات" أسعار النفط): تشير التوقعات لعدم وجود نمو في هذا البند خلال العام القادم 2020، وهو مؤشر إيجابي للغاية.  فمن المفترض أن يكون الخفض التدريجي في التوظيف الحكومي (وتقليص فاتورة الأجور) أحد الأهداف الاستراتيجية لسياسة المملكة المالية في الفترة القادمة، بالتزامن مع وجود سياسات تحفيزية وممكّنة لنمو القطاع الخاص، ليكون هو "المحرك الرئيس للتوظيف" في الاقتصاد.

وللتعامل مع هذا الخطر بالشكل الأمثل، يجب أن تكون الخطة التنفيذية بمشاركة جميع الجهات الحكومية، وأحد مؤشرات الأداء الرئيسية لهذه الجهات. فعندما نقول بأن فاتورة الأجور (المتضخمة) تُعد ثاني أكبر خطر يواجه المالية العامة واقتصاد المملكة بعد "تقلبات" أسعار النفط، فإننا نستحضر ما حدث في عام 2016.  ففي حال انهارت أسعار النفط لفترة (طويلة ومستمرة)، فستلجأ الحكومة إلى تقليص "فاتورة الأجور الحكومية" بشكل كبير، وهو ما سيؤثر على القوة الشرائية -بشكل كبير جداً- وبالتالي تراجع الطلب بشكل حاد في الاقتصاد وانخفاض الايرادات الحكومية الضريبية، وارتفاع معدلات البطالة (ناهيك عن الفرص الضائعة التي كان من الممكن أن يتم الاستثمار فيها في مختلف القطاعات لو كان كان جزء من هذا الإنفاق الضخم موجهاً ومستمثراً فيها).

• مضاعفة دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة: لا يخفى على المختصين بأن دعم وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة مهم جداً للاقتصاد، فهذه المنشآت هي عصب اقتصاديات العالم المتقدم، وأحد أهم عوامل التنوع الاقتصادي، (والمولد الرئيس لخلق الوظائف). كما أنها تلعب دوراً محورياً في زيادة إيرادات الدولة (عن طريق دفع الضرائب). لذا، فإنه من المهم جداً استحضار هذه الأهمية عند استحداث أي برامج ضريبية حالية ومستقبلية، ومن خلال تطبيق برامج (مرنة وذكية) تساعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على النمو. كما يُوصى وبشدة أن يتم التوسع في الاستثناءات الخاصة بالمقابل المالي المطبقة على المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كالقرار الذي صدر مؤخراً باستثناء المنشآت العاملة في المجال الصناعي).

• الخصخصة: الإسراع (وبحذر) في تفعيل برامج الخصخصة، وذلك للحد من النفقات التشغيلية، وبالتالي تحقيق مستهدفات السياسة المالية في رفع كفاءة الانفاق وخفض معدلات العجز والدين العام، وضمان تنمية الاحتياطيات الحكومية. (بالإضافة إلى الدور المهم والكبير الذي تلعبه الخصخصة في رفع كفاءة الإنتاج، وجلب الاسثمارات الاجنبية، ونقل وتوطين المعرفة).

• الإسكان: من المهم جداً أن يكون لدى صناع القرار، في وزارتي المالية والإسكان (بالإضافة إلى مؤسسة النقد العربي السعودي تحديداً - كونها تشرف وتنظم عمل القطاع البنكي)، معايير واضحة ودراسات تنبؤية وتحليلية عميقة في مجال إدارة السياسات المالية والنقدية في قطاع الإسكان. حيث يجب أن تكون "الاستدامة المالية والاقتصادية" هي أحد الركائز المستهدفة (بدلاً من أن تكون تحفيزاً مالياً ضخماً ومؤقتاً)، وذلك لتفادي حدوث أي فقاعة عقارية مستقبلاً في اقتصاد المملكة، وهو ما أشار له كذلك صندوق النقد الدولي قبل أسابيع قليلة عندما ذكر: أن "الجهاز المصرفي يتمتع بمستوى جيد من رأس المال والسيولة. لكن ينبغي إحكام الرقابة على نمو الإقراض العقاري (المتسارع)."

• رفع كفاءة التخطيط المالي للجهات الحكومية: التطوير العاجل لمنهجيات التخطيط المالي لجميع الجهات الحكومية، ليس فقط لزيادة الكفاءة التشغيلية والرأسمالية، بل ولسرعة تنفيذ ما يتم رصده لهم في ميزانية الدولة، وذلك لتعظيم الأثر الاقتصادي للإنفاق الحكومي وتطبيق مبدأ (Smooth Spending)، بدلاً من أن يتركز الإنفاق في الربع الرابع من السنة -كما جرت العادة-.

• تطوير منهجية التحليل والتوقعات الاقتصادية والمالية في وزارة المالية: من المهم أن تقوم وزارة المالية بمضاعفة جهودها في تطوير التخطيط المالي والاقتصادي المتمثل في إعداد السياسات المالية للدولة والتقارير والنمذجة المالية والاقتصادية، حيث يتضح من خلال منهجية كتابة الميزانية، أن هناك فرصة كبيرة للتطوير، وذلك لتتمكن الوزارة من كتابة التقارير المستقبلية للميزانية بشكل يربط بين التحليل الاقتصادي "المُتقدم" والمؤشرات المالية- سواء على مستوى تحليل الأداء التاريخي أو المستقبلي.

نقطة خروج: "لدينا ديون ترليونية، لكنها ليست بسبب عدم فرضنا للضرائب بشكل كافي، ولكن لكوننا ننفق بشكل كبير جداً!" —رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة السابق.

مستشار مالي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو