الجمعة 20 ذو القعدة 1441 - 10 يوليو 2020 - 19 السرطان 1399

4 وقفات مع الميزانية 

معاذ بن عبدالرحمن الحسيني

بعد الوقوف على نتائج الميزانية العامة للدولة واستعراض جميع تفاصيلها، يحق لنا الفخر على ما تحرزه المملكة العربية السعودية من تقدم اقتصادي شمل عدة مجالات ومنحنيات مهمة سواء بالقطاع الصحي أو التعليمي أو العسكري أو مشاريع البنية التحتية وتحفيز المحتوى المحلي وخلافه. أضف الى ذلك تعزيز الحوكمة بالشفافية مع المواطن فيما يخص البنود التفصيلية للميزانية وعن التوقعات للسنوات القادمة ومواطن النمو. 

في ذات السياق ومما لا شك فيه أن رئاسة المملكة لمجموعة دول العشرين لعام 2020م تعتبر ذات توقيت مثالي لتعظيم المنافع وسبل النهضة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية وغيرها، مما سيخلق التنمية المستدامة للسنوات القادمة بمشيئة الله. 
لعلي هنا أسرد بإيجاز أربع وقفات تتمحور حول نتائج الميزانية كما يلي:  
الوقفة الأولى مع الخصخصة: أوضحت الميزانية حصة كل قطاع من حيث الإنفاق، فوجدنا أن قطاعا التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية استحوذا على أكثر من ثلث النفقات الحكومية المخصصة بواقع 360 مليار ريال. 

هذا الأمر يأخذنا مباشرة الى جولة سريعة على المركز الوطني للتخصيص وهو أحد البرامج التي تم اعتمادها من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. سنجد أن من أهم القطاعات المستهدفة للتخصيص هي التعليم والصحة، بجانب قطاعات حيوية أخرى بالطبع. ومن هنا نجد حرص الحكومة بإشراك القطاع الخاص في تنمية القطاعات الحيوية وفي ذلك إعطاءه الفرصة للمساهمة بالناتج المحلي الإجمالي. هذا الأمر سيجعل معدلات الانفاق التشغيلية والرأسمالية للحكومة أكثر كفاءة مستقبلا، ناهيك عن العوائد المتحصلة من بيع الأصول كذلك.

فيما يخص قطاع التعليم فقد وجدنا أن شركة تطوير للمباني وهي الذراع المنفذ لمشاريع وزارة التعليم والمملوكة لصندوق الاستثمارات العامة قد بدأت فعليا بعقد شراكات مع القطاع الخاص لبناء مشاريع وزارة التعليم وباتباع أفضل الممارسات عالميا، مما يعظم فعالية الإنجاز وبذات الوقت يقلل من العبء الرأسمالي على الحكومة.

 ونجد أيضا أن قطاع المياه الحيوي يتجه في طريق الخصخصة والذي يعد ضروريا لتحقيق الاستدامة، وعليه فقد رأينا على سبيل المثال توقيع عدة اتفاقيات لمشاركة القطاع الخاص لمشاريع انتاج المياه المحلاة ومعالجة الصرف الصحي عبر الشركة السعودية لشراكات المياه (المملوكة لوزارة المالية) مع شركات وتحالفات محلية وعالمية. يتبقى أن نقول إن مجال الخصخصة ليس مفروشا بالورد بل يصاحبه تحديات كبيرة وهذا ما دفع الحكومة الى اتخاذ خطوات مرحلية وتحديد الأولويات عبر تخصيص القطاعات الأكثر نضجا وخبرة وأيضا جاذبية للقطاع الخاص، مثل البدء بخصخصة مطاحن الدقيق وكذلك خصخصة قطاع الإنتاج في المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، وهنا نتحدث عن الخصخصة بواسطة بيع أصول مملوكة للدولة وأيضا عبر إنشاء شراكات مع القطاع الخاص.
الوقفة الثانية مع المحتوى المحلي: بعد مرور قرابة العام على انشاء هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، وجدنا بوادر مبشرة لفاعلية الهيئة بعد وضع أسس البنية التحتية للاستراتيجيات اللازمة لتعزيز هذا الجانب المهم. فوجدنا تبادل الخبرات عالميا وتطبيق أفضل الممارسات المرتكزة على الجوانب التي لها مردود كبير لتنمية المحتوى المحلي. لعلي أشير هنا أن اعلان الميزانية ذكر أن تنمية المحتوى المحلي احتل مكانة رئيسية ضمن خطط الحكومة وكان من أبرز الإنجازات على هذا الصعيد هو تشغيل المقسم الوطني للإنترنت، ضمن احدى مبادرات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، مما يعزز بشكل كبير البنية التحتية الرقمية وتمكين توطين المحتوى المحلي للإنترنت، مما يدعم القطاع التقني لرفع مساهمته في المحتوى المحلي.

الوقفة الثالثة مع الدين العام: نعلم جميعا الدور الكبير لمكتب الدين العام لسد فجوة العجز بالميزانية وتخفيف أثر استنزاف الاحتياطيات. يشكل الدين العام حاليا ما نسبته 24% من الناتج المحلي الإجمالي وبحسب الميزانية فإنه يتوقع أن يرتفع الرقم قليلا ليصل الى 26% بحلول أواخر عام 2020م. منذ انشاء مكتب الدين العام قرابة الأربع سنوات لمسنا إنجازات مختلفة تتمثل بالإقبال الكبير على الإصدارات المتنوعة والتي تضمنت عملات الريال والدولار واليورو، والجدير ذكره هنا هو آجال الاستحقاقات الطويلة لتلك الإصدارات والتي تعكس الجهود الحثيثة لإيجاد سيولة بالسوق المحلي وخلق منحنى عائد للريال السعودي حيث رأينا استحقاقات تمتد ل30 سنة خلال الربع الثاني من هذا العام. 

ولكن ما يدعو إلى اليقظة والتفكير هو كيفية خلق استدامة لاستمرارية اصدار الدين. مقارنة بالنسب المرصودة عالميا تعتبر المملكة من الدول التي لها دين منخفض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ولكنها تعتبر ضمن الأسرع من حيث وتيرة الإصدارات، ولهذا يأتي موضوع غاية في الأهمية وهو إبقاء معدلات الدين ضمن نطاقات مقبولة عند السقف المعلن وهو30% من الناتج الإجمالي المحلي.
هذا يجعلنا نستشعر أن الاقتراض بلا شك قد يولد نمو مستقبلي ولكن انضباط المالية العامة يعتبر مهم لخلق نمو اقتصادي مستدام. أحد المراجع الممتازة في هذا المجال هو ما ينشره باستمرار صندوق النقد الدولي بخصوص إطار السياسة المالية وتحليل استدامة الدين العام للدول.   
   
الوقفة الرابعة مع إنجازات المملكة المختلفة: كانت هذه السنة استثنائية على صعيد إنجازات المملكة العربية السعودية على المستوى الدولي واستمرارا للنجاحات المتزايدة مؤخرا، فآخرها كان توليها رئاسة مجموعة دول العشرين لعام 2020م. كما حظيت المملكة بتطور كبير في تحسين بيئة الأعمال بتقدم ثلاث مراتب لتتبوأ المرتبة السادسة والثلاثون حسب تقرير التنافسية العالمي الذي أيضا أشار أن المملكة أحرزت تقدما من خلال قفزها ثلاثة عشر مرتبة.

 كذلك يحسب للمملكة بعد سنوات من العمل الدؤوب انضمامها إلى مجموعة العمل المالي نضير جهودها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وكأول دولة عربية تحصل على هذه العضوية. وفي باب الشفافية والافصاح المالي فقد انضمت المملكة للمعيار الخاص لنشر البيانات المالية والاقتصادية وتطبيق مشاركة البيانات وبالتالي المضي قدما لتطبيق أعلى معايير الشفافية المالية. 

بشكل عام فإن هذه الوقفات وغيرها هي عبارة عن منظومة متكاملة تصب في مصلحة الميزانية والاستقرار المالي والاقتصادي فقد لا يتسع المجال للاستفاضة أكثر في هذا الجانب، ولكن هي إنجازات وجهود تصب في مصلحة الوطن والمواطن وتسهم في الصعود إلى القمة في سبيل رفعة هذا البلد الغالي.
 

شريك مؤسس في شركة مالية متخصصة بإدارة مخاطر السوق والتحوط [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو