الاثنين 16 ذو القعدة 1441 - 06 يوليو 2020 - 15 السرطان 1399

الرقمنة الأخلاقية

عبد الرحمن احمد الجبيري

يشهد العالم اليوم تحولاً جذرياً نحو الثورة الرقمية والتي ستنقل الحضارة الإنسانية الى ابعاد جديدة تلعب خلالها الكثير من التحديات دورا مهما في هوية الحياة التي ستختلف عما سبقها من حضارات متلاحقة ، بيد أن اكبر هذه التعقيدات في اعتقادي هي العلاقة المتينة بين تدفق هذا الكم الهائل من البيانات والأخلاق في بعدها الفلسفي أي الجوانب المتعلقة بوضع الأسس والقواعد التي يجب على الانسان ان يسلكها كوثيقة قانونية سلوكية مهنية مثالية لتجمع بين الكمال الأخلاقي وفلسفته والتشريعات ، وهو ما يتطلب فتح اتجاهات حديثة نحو تأصيل العلاقة التشاركية بينهما والذي سيتوقف مدى نجاح هذه التكاملية العلاقية على الأدوات الممكنة فعليا من جانبها التقني والقانوني والثقافي وإعادة ضبطها على حد سواء ، حتى اليوم لاتزال هذه القيم الأخلاقية للبيانات دون المستوى المأمول عالميا لأن المعطيات التقنية تتسارع والبعد الأخلاقي النظري بمعاييره المتعددة كالوعي والثقافة والتنظيم والقانون يتباطأ أي انه لابد لبعضيهما من المضي قدما في خط متوازي مما سيحد من الانحراف بها نحو آثارها السلبية .

ان للسلوك الأخلاقي في اقتصاد البيانات قيم عظيمة تنبع من الاستثمار الأمثل للمعرفة وتوظيفها بعيدا عن خلق التوتر والأزمات الذي تُحدثها التبعات السلوكية الأخلاقية السلبية وصولاً الى صناعة القرارات التي تُبنى على أسس أخلاقية تسهم في التعامل مع العديد من القضايا المُلحة والعوائد المادية والمعنوية والثقافية وادارة المخاطر وتلافيها ، شبهت احد الدراسات البحثية العلاقة بين الاخلاق والتقنية كالشجرة التي تنمو بأغصان  فارعة واوراق جميلة وكثيرة وعندما تتمدد على نحو عشوائي مبتعدة عن الجذور تصبح هذه الجذور ضعيفة ولن تتمكن الشجرة من تحمل النمو في الجزء العلوي فتصل الى الانهيار بعد إذْ كانت قوية ( الأوراق والغصون التقنية والجذور هي المفاهيم الأخلاقية والثقافية ) .

إن الطلب على التقنية والاتصالات بما تحتويه من آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية كثيرة على المجتمع المعاصر يتزايد ويتعاظم يوما بعد يوم وهو ما يتطلب معه العمل على اعداد المزيد من الدارسات الجادة المرتبطة بعامل الاخلاق والعلوم الإنسانية والاجتماعية من أجل التعرف اكثر على مكامن المخاطر ووضع الحلول المناسبة لها وبالتالي تتحقق علاقة إيجابية بين التقنية والأخلاق تسهم بعقلانية هادفة نحو اسعاد البشر لا الاضرار بهم .

اخلاقيات علم التقنية Ethics of technology هو مصطلح صاغه عراب فلسفة التكنولوجيا الفيلسوف والمفكر الأرجنتيني Mario Bunge  ماريو بونج في عام 1974 للدلالة على المسؤوليات الخاصة للتقنيين والمهندسين لتطوير الأخلاقيات كفرع للتقنية أي أنه يراه كعلم فلسفي يشير إلى الاستخدام المسؤول للعلوم والتقنية والأخلاقيات في مجتمع تتشكل فيه التقنية ليكون الأكثر أهمية في تعزيز من القدرات والمسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية المتزايدة وبمعنى آخر هذه الصياغة في قالبها الجديد تختلف عن النظرية الأخلاقية التقليدية حيث أن النظرية الأخلاقية نفسها قد تجاهلت المشكلات الخاصة التي يطرحها العلم والتكنولوجيا كما يقول بونج الا ان المعضلة وفقاً لبونج انه يصعب التكيف التكنولوجي بأدواتها التي تبدو غريبة على معظم الفلاسفة لبناء نظرية أخلاقية جديدة كما انه يرى ان القواعد الأخلاقية العقلانية لها نفس هيكل القواعد التكنولوجية تمامًا.

ان بعض الممارسات العملية الرقمية في الكثير من المجتمعات مثيرة للجدل وتتقلص معها المعايير الأخلاقية والأدبية وقد يكون بعض منها قد خلق ثقافة رديئة في ظل انها باتت في متناول الجميع ولا تليق على الاطلاق بعصرنا الحاضر الذي يشهد قفزات غير مسبوقة في الابتكارات ورفاهية الانسان كما ان هناك بون شاسع بين الجهل التقني والكفاءة التقنية العلمية في أسس الاستخدام الأمثل ولعلنا نشهد قريبا حلول فعالة تجمع بين الفلسفة الأخلاقية والتقنية لتكون أدوات مثالية حيث تشير احد الدراسات الى ان التقنية خلقت في ذات الوقت علاقات مجتمعية واسرية في أساليب التعامل والعاطفة والثقة في الذات والحياة المشتركة وجودتها.

مما لا شك فيه اننا مقبلون على ثورة هائلة في عالم التقنية ومن أبرزها الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء وهذا يتطلب تطوير سبل المسؤوليات الأخلاقية ليكون توظيفها موجهاً لخير المجتمعات .

مجمل القول: لقد اضافت التقنية لحياتنا عالما مليئاً بالبهجة وتيسير الاعمال والتواصل الفعال ولكنها في ذات الوقت شكلت منعطفا مهما نحو سلبياتها الكثيرة فالجهود الدولية تتواصل يوما بعد يوم نحو تقنية تتماهى مع الاخلاق ولعلنا نستذكر العديد من المؤتمرات والتوصيات التي تعزز من تحقيق قيم إيجابية من الاستخدام الأمثل للتقنية ومن ذلك المنتدى الدولي للأمن السيبراني والذي نظمته الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في الرياض خلال 4-5 فبراير الجاري حيث كانت من أهدافه فتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في مجال الأمن السيبراني، وتعزيز جهود الأمن السيبراني وغيرها الكثير من المؤتمرات، واذا ما علمنا ان هناك علاقة تشاركية وطيدة بين التقنية بكافة ادواتها ونشاطاتها المختلفة من بيانات ووسائل بات لزاماً ان تكون سلوكيات الاستخدام الأخلاقي لها الخطوة الأهم ناهيك عن بقية مكونات التقنية التي تتجاوز الاستخدام الى طيف واسع من الإيجابيات التي تواكب الحقائق الاقتصادية والثقافية والمجتمعية على امتداد مجتمعات العالم وتوجهاتها المختلفة لبناء واقع اجتماعي مثالي في عصرنا الرقمي ذلك أننا اليوم في أمسِّ الحاجة لتفعيل دور فلسفة الأخلاق في معطيات التقنية لتحقيق المزيد من المعايير والضوابط و القيم المضافة .

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

محمد جمعان اذا الغيت المنشأة او النشاط هل لدي مستحقات لان ما قد استلمت...
حمود حاولت أن تجعل من المواطن غبيا .. لكنك لم تنجح ..
عبدالمجيد بالله وش قصدك بمنافسة القطاع الخاص، المفروض القطاعين مكملين...
احمد هل يوجد غرامة للمنشاءة التي لاتطبق هذه الايحة اولم تصدر...
ناصر محمد دولنا الاسلامي تحتاج الى آلية مماثلة تجمع المعلومات وتوفرها...

الفيديو