الاثنين 10 ربيع الأول 1442 - 26 أكتوبر 2020 - 04 العقرب 1399

متى يواكب إعلامنا تطلعات رؤيتنا؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

مع دخول رؤية المملكة 2030 مرحلة متقدمة لتنفيذ إنجازات جديدة كما هو مخطط له، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (حفظه الله) - يوم الثلاثاء 25 فبراير 2020 - مجموعة من أوامره الملكية الكريمة. كان من ضمنها فصل الاستثمار في وزارة جديدة - كما حصل للصناعة في مرحلة سابقة - وتعيين معالي الدكتور ماجد القصبي كوزير مُكَلَّف للإعلام بالإضافة الى مسئولياته السابقة. 

نقل معالي الوزير المُكَلَّف - في أول يوم له على رأس العمل – رسالة واضحة وصريحة لمنسوبي وزارته بأن "الأداء غير مرض تماما ولا يواكب التطلعات". 

والسؤال هنا: متى يواكب إعلامنا تطلعات الرؤية؟

الإجابة - في المطلق - هي عندما ندرك ونقتنع بأن الإعلام اليوم هو صناعة رشيقة ومتكاملة ومستقلة وبقاعدة اقتصادية في المقام الأول. الإعلام لم يعد أداة تنظيمية فقط لنقل الرسائل الرسمية والمعتمد على موروث متراكم منذ انشاء صحيفة "أم القرى" عام 1925. المملكة اليوم وبما حباها الله سبحانه من مكانة استراتيجية وموارد غنية وقيادة ذات ثقل سياسي دولي ضخم وشعب فتي ومبادر تحتاج الى إعلام متمكن وغير تقليدي في التواصل مع الجمهور - داخليا وخارجيا - خاصة في ظل وفرة الإعلام الخارجي المحترف في أدائه. المملكة بحاجة الى إعلام قادر على نشر فنها وثقافتها وانتاجها الفكري والأخلاقي. وتعريف العالم بإنجازاتها كما تستحق. وتقديم المعلومة الداحضة للإعلام المضاد. وفي التسويق لاقتصادها والفرص الاستثمارية فيها، ومنتجاتها، وخدماتها، بشكل علمي وباللغة التي يفهمها العالم اليوم. 

هذا كله يستدعي رسم رؤية جديدة للوزارة مع مراعات خمس مسائل هامة: 

أولا:
وضع خارطة للإعلام الوطني كصناعة ذات قاعدة ومردود اقتصادي، وتعريف ما هو موقعها على خارطة الصناعات الإعلامية العالمية وما هو مستقبلها والتحديات التنافسية مقارنة بالصناعات الإعلامية الأخرى سوآءا إقليميا او دوليا. هذه الخارطة ستحتاج الى استثمارات كبيرة تدار بشكل احترافي.

ثانيا:
تُعَّرَف بدقة ماهي البيئة التي تجذب المستثمر (المحلي والعالمي) للمشاركة في صناعة إعلامنا بأيدي سعودية. وما هو الدعم الذي يتوقعه من جهات الاختصاص الحكومية. فالمستثمر بشكل عام نظرته الأساس على الصناعة نفسها ككيان متكامل بكل أدواته. وليس على المشاريع فقط. 

ثالثا:
صناعة إعلام منافس عالمياَ يحتاج وجود كليات ومعاهد للتدريب على الاخراج والتصوير والتصميم والالقاء والظهور وكتابة النص وغيرها من أدوات صناعة المحتوى وبعدة لغات. وأيضا إيجاد تخصصات جامعية وبرامج بحث علمي عليا في الإعلام الجديد. وهذه مسألة هامة لابد من التنبه لها لأن المستثمر ربما يتساءل كيف له أن يستثمر في صناعة وفي مكان لا وجود لتعليم أدواته أصلا. وايجاد صناديق ترعى دعم صناعة المحتوى استثماريا كما في دولة الامارات التي استفادت من صندوقها الإعلامي في تقديم مادة إعلامية سَوَّقَت لاقتصادها بمهارة عالية.

رابعا:
ولإيجاد موقع لإعلامنا على الساحة الدولية، فلابد من تقديم إعلام محترف ومتفاعل باللغات الأجنبية - وخاصة الانجليزية. إعلام لا يعاني من هشاشة الطرح والتحليل والواقعية. ويدافع عن المملكة ومواقفها بمنهجية علمية. بعيدة عن الانفعالات وردود الأفعال وبحقائق على أرض الواقع يتناولها الرأي والرأي الآخر. ليكشف زيغ وكذب الأقلام المستأجرة والإعلام المغرض الذي يحاول وباستماته أن يشكك في مكانتنا وقدراتنا ورؤيتنا. بالإضافة الى الاجحاف المتعمد في إظهار جهود المملكة المبذولة عربيا واسلاميا ودوليا. الدفاع عن مواقفنا ومواجهة الهجوم علينا باللغة العربية لا يكفي.

خامسا:
الاستقلالية في الأداء المعتمد على الكفاءات القيادية الماهرة والكوادر المهنية والمحتوى القائم على البحث العلمي. هذه الاستقلالية لا تحتاج لبنائها أكثر من وضع الخطوط العريضة لما يتوقع من قطاعات وهيئات الوزارة – بعد إعادة هيكلتها حسب الرؤية الجديدة - ومن ثم تطبيق مبدأ تفويض القيادات الكفؤة للتنفيذ دون التدخل في تفاصيل مهامها. ومتابعة الأداء – بواسطة طرف محايد - من خلال مؤشرات قياسية بغرض التقييم والتقويم. 

لا مجال لقبول الحلول الوسط في إيجاد إعلام محترف وابداعي يظهر كصناعة تعي المستجدات حولها لمواكبة التطوّر المتسارع للإعلام المرئي والمسموع والمقروء والتفاعلي في العالم. يشارك فيه القطاع الخاص بإنتاجه واستثماراته. وبقيادات وطنية ريادية ذات مستوى راقي من العلم والمعرفة والممارسة المهنية. تدعمها كفاءات فنية وطنية وعالمية مبدعة ومحترفة وشغوفة بالتحدي والمنافسة. 

رؤية المملكة 2030 أعطت الإشارة لبدء بناء جذري لإعلام سعودي مهني. يزدان بحيوية وجرأة وشجاعة وصراحة وشغف وفصاحة عَرَّاب الرؤية. حتى يكون قِبْلَة للمعلومة الخاصة بنا ذات المصداقية والموثوقية، ومنبر اشعاع ثقافي راقي. يأسر القلوب ويتفاعل مع العقول ليطبع بصمته المؤثرة في الداخل والخارج. 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

سالم زيد العديلي أنا أشكر الدكتور علي طرحه للموضوع. وهناك مشكلتان في الموضع:...
هشام بن أمين خياط بدأ اهتمام المملكة بالطاقة المتجددة والبديلة منذ عقود....
عادل عبدالله الأنصاري للاسف هذا ماحصل معي بحجة اعادة الهيكلة بعد خدمة أكثر من...
خالد واضح أن الكاتب بعيد عن واقع البنوك مقال مليء بالمفاهيم...
محمد هيهات كم شكينا على المشغلين والتصعيد ما ان يصل الى الهيئة...

الفيديو