الأحد 22 ذو القعدة 1441 - 12 يوليو 2020 - 21 السرطان 1399

الدور المؤثر لإدارة المخاطر والأزمات على أداء واستمرارية الشركات

وجدان سعد الحيد

تتكرر كثيراً على مسامعنا في هذه الأيام مصطلحات مثل (إدارة المخاطر)، (إدارة الأزمات)، (استمرارية الأعمال) بسبب ما نشهده من جائحة فايروس كورونا Covid -19 والذي بدأنا نرى آثاره وتبعاته على جميع القطاعات. جميع المصطلحات السابق ذكرها مرتبطة بشكل أو بآخر بلجنة إدارة المخاطر، والتي من المفترض أن تكون في كل شركة أو منشأة بغض النظر عن نشاطها أو حجمها أو نوعها. فبالرغم من الدور المهم والأساسي للجنة إدارة المخاطر، إلا أن قلة قليلة من الشركات لدينا تؤمن بأهميتها وتفعيل دورها في الشركات، باستثناء الشركات التي ألزمها النظام عليها وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل في هذا المقال. 

لجنة إدارة المخاطر تقوم بدور استباقي في تحديد المخاطر المحتملة على الشركة قبل وقوعها، وتقييم وقياس كل عامل من عوامل الخطر. ومن ثم تضع الدراسات والتحليلات تجاه كيفية التصدي للخطر المرتبط بالشركة، والآلية المقترحة لمواجهته فيما لو حدث مستقبلاً وفقاً لظروف المنشأة والبيئة المحيطة بها، وهذا لا يعني منع الخطر إنما التقليل من آثاره. بعد ذلك تقوم بتحديد نسبة خطر معقولة، وفي حال تجاوز هذه النسبة فسيتم تطبيق الدراسات والحلول وإعمال خطة الطوارئ لمواجهته، بحيث يعتبر تجاوز النسبة بمثابة الـ Red flag الذي يستدعي التدخل العاجل. الجدير بالذكر أن هذه اللجنة جزء لا يتجزأ من مفهوم الحوكمة بتطبيق مبادئه الأساسية عن طريق مجلس الإدارة بما يضمن مصلحة المستثمر، والشركة، وأصحاب المصالح. 

من المهم بمكان معرفة أن أي منشأة من الطبيعي أنها لا تعمل بمنأى عن نفسها، فهي تتعرض لأخطار كثيرة ومتنوعة تتسع أو تضيق بحسب تعاملاتها مع الغير. لذلك من المخاطر التي تقوم اللجنة بدراستها وتقييمها على سبيل المثال لا الحصر: المخاطر القانونية والدعاوى القضائية، مخاطر الموظفين العاملين في الشركة، مخاطر السوق والسمعة، المخاطر الدولية للفروع العاملة في دولة أخرى أو العقود المبرمة مع أطراف أجنبية، مخاطر مرتبطة بتنفيذ العقود مع الأطراف الخارجية أو الأطراف ذوي العلاقة، مخاطر الملكية الفكرية والعلامات التجارية، مخاطر أمن المعلومات والخدمات التقنية، مخاطر صرف العملات والسيولة، مخاطر الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل وتقلبات الجو، ومخاطر انقطاع الخدمات كالماء والكهرباء ونحوه.

وجود لجنة إدارة المخاطر أو إدارة المخاطر هو في الأصل اختياري لجميع الشركات المساهمة، فلمجلس الإدارة حرية تأسيسها من عدمه، بموجب المواد الاختيارية المذكورة في الفصل الخامس من لائحة حوكمة الشركات الصادرة من هيئة السوق المالية. حيث وضحت هذه المواد تشكيل اللجنة، وطبيعة عملها واختصاصاتها الموكلة لها، على أن تجتمع بصفة دورية كل ستة أشهر على الأقل وكلما دعت الحاجة إلى ذلك. ولكن بالمقابل نجد تأسيس اللجنة إلزامي بقوة النظام في عدد من الشركات التي تمتهن نشاط أو تعمل في قطاع معين كالبنوك، والتأمين، والتمويل. وذلك بموجب أنظمة مؤسسة النقد باعتبارها الجهة الرقابية على هذه القطاعات، فعلى سبيل المثال نصت الفقرة ٧٨ -من المبادئ الرئيسية للحوكمة في البنوك العاملة بالمملكة العربية السعودية- على ضرورة تشكيل لجنة لإدارة المخاطر بحيث "...تكون تابعة لمجلس الإدارة وبرئاسة رئيس غير تنفيذي في الإشراف على عملية إدارة مخاطر الائتمان والوفاء بالمسؤوليات الأخرى ذات العلاقة التي قد يوكل بها من قبل المجلس...".

مما يجدر التنويه له بأنه قد يلتبس على البعض مصطلح (إدارة المخاطرRisk Management ) و(إدارة الأزمات Crisis Management ). فالأولى استباقية تعمل على توقع الخطر ودراسته ووضع خطة طوارئ وحلول بديلة، في حين أن الثانية لاحقة تعمل على كيفية التعاطي مع أزمة ما بعد وقوعها. لذا الشركات حالياً تحتاج إلى إدارة أزمات فعالة، بحيث يتم وضع خطة لتقليل الآثار قدر الإمكان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك لاستمرار بقاء الشركة والقيام بأعمالها وهو ما يعرف بـ (استمرارية الأعمال Business Continuity). هناك عدد من الحلول التي قد تساعد في تقليل آثار الأزمة الحالية مثل تقليص المصاريف، إغلاق بعض الفروع، تسريح بعض الموظفين أو تخفيض رواتبهم، تخفيض مكافآت أعضاء مجالس الإدارات وبدلات الرؤساء التنفيذين، الدخول في صفقات استحواذ أو اندماج. وهذا ما قامت به كثير من الشركات حالياً مثل Uber Eats، Airbnb.

من الأمثلة الجيدة والتي تدرس في إدارة الأزمات وكيفية التعامل معها، ما قامت به شركة Johnson & Johnson –الشركة الأم- في قضيتها الشهيرة Tylenol عام ١٩٨٢. عندما قام أحد الأشخاص في شيكاغو بتسميم بعض أدوية Tylenol المعروضة في أحد الصيدليات مما تسبب في قتل عدد من الأشخاص. حيث ثار الرأي العام تجاه هذا الأمر ونتيجة لذلك انخفضت أسهم الشركة في البورصة الأمريكية، ولكن قامت الشركة بالتجاوب بشكل سريع وفعال، وسحبت كل منتجات الدواء Tylenol من جميع الأرفف. ومن ثم استبدالها بدفعة جديدة من الأدوية، مع وضع شريط لاصق محكم عليها. ولم يتوقف الأمر على ذلك بل قامت بنشر إعلان عام للجميع بضرورة إيقاف استخدام الدواء، ووضعت خط ساخن تستقبل فيه استفسارات العملاء خلال تلك الأزمة. بالرغم من تكبدها خسارة تزيد على بليون دولار، وانخفاض سعر سهمها في السوق الأمريكي، إلا أنها كسبت ثقة عملائها؛ لأنها قدمت مصلحتهم فوق اعتبار الأرباح في ذلك الوقت.

أخيراً، وجود إدارة مخاطر وإدارة أزمات قوية في الشركة تساهم بشكل كبير وفعال في التقليل من آثار الأزمات أو تفاقمها على حياة الشركة. ونؤكد بأن ضرورة وجود إدارة مخاطر في المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا يقل أهمية عن وجودها في الشركات الكبيرة؛ لأن الخطر لا يعرف نوع أو حجم الشركة مما يؤثر على أدائها أو استمراريتها، بل قد يكون الخطر أكبر على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

أكاديمية متخصصة بقانون الشركات والبنوك والأوراق المالية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه Atallah Alzayed في 05/15/2020 - 06:09

معلومات قيمه وممتازه ولكن تحتاج تفصيل اكثر لتطبيقها على المنشآت الصغيرة والمتوسطه، بالتوفيق.
مع التحيه

إضافة تعليق جديد

الفيديو