الجمعة 20 ذو القعدة 1441 - 10 يوليو 2020 - 19 السرطان 1399

العجوز التي علمتني اقتصاد المعرفة

م. عماد الرمال

تلك العجوز المقصودة في العنوان، هي جدتي، فجدتي كانت تبني بيتها من شعر الماعز والغنم ، وتصنع من جلد الغنم القيراب وتستعمله في إنتاج السمن والزبد من حليب الشاه ، وتستمر سلسلة الإمداد لصنع المريس و الفتيت كانت جدتي تمتلك المعرفة في كل مراحل الإنتاج... 
بدءاً من تربية الماشية إلى سلاسل الإمداد التي تستخدمها في حياتها اليومية.

جدتي كانت تمتلك اقتصاد المعرفة ، وتصنع ثورتها الصناعية بنفسها ولديها محتوى محلي ١٠٠٪ .

فهي تمتلك نموذجها الاقتصادي الذي استطاع أن يُغنيها عن الاستيراد من الخارج ، ويجعلها تعيش في وسط الصحاري القاحلة بكل عز وهيبة وعنفوان والذي عُرف عن أبناء الصحاري.

و إن لم يمتلك سكان الصحارى هذه القوة بالاعتماد على أنفسهم ، هل كان باستطاعتهم أن يكونوا  مهداً لانطلاق الحضارة الإسلامية و بعد ما كانت جميع حضارات الشعوب تنطلق من سكان ضفاف الأنهر ؟؟

اقتصاد المعرفة كما علمتني إياه جدتي هو أن تمتلك المعرفة وتعتمد على نفسك في جميع مراحل الإنتاج. 

لا يمكن لي أن امتلك صناعة النفط وأنا استورد جميع معداتي من الخارج ، لا يمكن لي أن امتلك صناعة البتروكيماويات وجميع التكنولوجيا مستوردة من الخارج لا يمكن لي أن امتلك اقتصاد صناعي و أنا استورد المصنع بالكامل من معداته وتقنيته وعمالته من الخارج .

كما بدأ الصينيون ثورتهم الصناعية من مهنتهم التي يمتلكونها وهي الزراعة  و بدأوا بصناعة الآلة الزراعية في خمسينيات القرن الماضي. 

وكذلك بدأ الكوريون ثورتهم الصناعية من المهنة التي يمتلكونها وهو الصيد و بدأوا بصناعة السفن في سبعينيات  القرن الماضي .

علينا أن نبدأ ثورتنا الصناعية من الثورة التي نمتلكها وهي النفط ونصنع تكنولوجيا النفط وسلاسل الإمداد كاملة.

لم يؤخرنا عن هذا الركب وجعل الصينيون والكوريون المتخلفين قبل ٤٠ عاما فقط أن يصبحوا هم المصدر الرئيسي لتقنية الحفر والإنتاج لشركة ارامكو الآن  سوى الشعارات التي كنا نرفعها لتبرير الاستيراد .

اليوم ونحن نعيش مرحلة التصحيح الاقتصادي ضمن رؤية ٢٠٣٠ لا بد لنا أن نتوقف قليلا  ونراجع وسائلنا لتحقيق أهدافنا .

شعار نقل التقنية والشعار الجديد الثورة الصناعية الرابعة ما هي إلا مبررات لمزيد من الاستيراد ومزيد من الاعتماد على الغير .

التقنية ليست حساء معلب يمكن شراءه ونقله ، والثورة الصناعية الرابعة ما هي إلا شعار للإمبراطورية البريطانية في القرن الثامن عشر و قد ألغت فيه جميع إنتاج حضارات الشعوب على مدى آلاف السنين وجعلت من اختراع الآلة البخارية التي من خلالها عززت حضورها الاستعماري هي الثورة الصناعية الأولى للبشرية .

وتركت للمهطرقين لاحقا أن يبنوا على هذا التصنيف و يبدأوا  بتصنيفات  أخرى كالثورة الصناعية الثانية والثالثة والرابعة والتي لا معنى ولا أساس ولا يتفق عليها مصدرين اثنين .

هرطقات أعجبت الكسالى لدينا وجعلوها مبرراً  للاستيراد  من الخارج ، و أوهمتنا بان كلما استوردنا من الخارج أكثر فنحن نتقدم أكثر .

منطقتنا العربية هي مهد الحضارات منها تعلم العالم الكتابة قبل ٣ آلاف عام قبل الميلاد ، وفيها نزل الحديد وما زال العالم يعيش العصر الحديدي ومنها كانت الديانات السماوية .

فهل الغي تاريخي هذا كله واصدق المستعمر البريطاني بان الاّله البخارية هي الثورة الصناعية الأولى بالتاريخ؟

رؤيتنا رؤية ٢٠٣٠ هي رؤية المحتوى المحلي والاعتماد على أنفسنا ، هي رؤية الاقتصاد المعرفي رؤية تاريخنا السابق الذي نعتز به وتاريخنا القادم المليء بالتحديات .

وليس مطلوباً من المسئول في الوزارات خلق العجله لمواجهة تلك التحديات بل استخدامها.
 

كاتب مختص في مجال الطاقة والصناعة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو