السبت 15 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020 - 09 العقرب 1399

مرونة تطبيق اللوائح في الأزمات

سلطان الظريفي

ما قدمه معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات مؤخرا من جهود لتطوير الاتصالات والانترنت وتقنية المعلومات يشار إليها بالبنان كذلك تطبيق السعودة الصارمة على شركات الاتصالات والحد من التلاعب بحقوق المستهلكين لايحتاج إلى توضيح حيث أن المستهلك هو من شعر به.

كذلك من أعمال هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات نشاط اللوجيستيك فهي الجهة المشرفة على عمل شركات اللوجيستك من إصدار الرخص البريدية وما يتعلق  بحماية حقوق المستخدمين للخدمة من المواطنين وغيرهم من الشركات العاملة في السوق.

عزيزي القارئ لا تتوقع بأن عمل اللوجيستك هو توصيل شحنتك الشخصية أو إرسالية تقوم بطلبها من مكان إلى أخر، فهذا مفهوم غير صحيح عن اللوجيستك الذي يعتبر  عصب الحياة التجارية لأي دولة بل أن هناك دول اقتصادها قائم على اللوجيستك بشكل كلي أو بنسب عالية مثل دول سنغافورة وأمارة دبي، بل أن أكبر شركات الشحن تجدها في دول أوروبا مثل الدنمارك وسويسرا وغيرها، فاللوجيستك هو عمل منظم جبار تتكاتف من أجل إنجاحه مرافق الدولة والقطاع الخاص والجهات التنظيمية، و يعتبر رافد من روافد الاقتصاد خصوصا لدولة مثل المملكة التي تعتبر قارة  ومنطقة لوجيستك حيوية وكما نرى اليوم أن الدولة حفظها الله تبني مدينة نيوم اللوجستية والتي هي كانت فرصة ضائعة تم إيجادها بفضل الله وجاري العمل على تطويرها لتصبح رافد اقتصادي للدولة.

كلنا قرأنا عن قرارات الهيئة مؤخراً والتي صدرت بحق بعض شركات اللوجيستك المرخصة من قبلهم، وذلك تطبيقاً لبعض اللوائح اللوجيستية الموجودة في الهيئة وبالطبع جميعنا نتفق على أن تطبيق الجهات الحكومية ومنها هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات أمر مطلوب لرفع مستوى جودة الخدمة المقدمة لهذا الشعب الكريم وكذلك لحفظ الحقوق ولزيادة كفاءة الاقتصاد الوطني ككل.

اليوم العالم بأسره متضرر من أزمة كورونا وما نتج عنه من مشاكل وضغوطات مالية وإقتصادية على القطاع الخاص بل أن حتى بعض الشركات العالمية المستفيدة مالياً من الأزمة مثل شركات الاتصالات والتجارة الالكترونية واللوجستية تواجه مشاكل عدم القدرة على استيعاب الازمة فالموضوع خارج عن السيطرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وشركات اللوجيستك قد تكون من أكثر الشركات التي واجهت معضلة الطاقة الاستيعابية، حيث أن التحول بالاعتماد عليها مفاجئ وضخم وهائل جداً. ولذا ومن الطبيعي أن يكون هناك تأخير كبير في تسليم البضائع وكذلك خلل في عملية التخزين والتوزيع وغيرها، ومع فارق التشبيه استطيع ان أقول بأن هذه الشركات تحاول عدم الانهيار في عملية سلاسل الامداد والتموين مثل ما تحاول الانظمة الصحية في دول العالم بعدم الانهيار في تقديم الخدمات الصحية، بل أن هناك أنظمة صحية عالمية مصنفة عالمياً في المركز الاولى ومنها الاسبانية والايطالية وغيرها انهارت جزئياً بسبب هذه الازمة، بل أن سلطات بعض الدول لجأت إلى استخدام المستشفيات الميدانية  والسفن العسكرية للسيطرة على الأزمة.

لذا أعتقد أن الجميع يؤيد ومقتنع بأن شركات اللوجيستك لن تستطيع مطلقاً توفير الجودة في وقت التسليم والتخزين و غيره لضخامة الشحنات و لقلة الشركات، فعندما تَحل الأزمات يجب أن يختلف التعامل معها عن المعتاد عليه في الأوقات الطبيعية، فالمنطق يقول بأن تطبيق اللوائح مطلوب ولكن قد تكون المرونة هنا مطلوبة أكثر وهذا ما يفسر دعم الجهات الحكومية في المملكة  لشركات القطاع الخاص من تحمل الدولة رواتب الموظفين جزئياً وتأخير سداد القروض بدون فوائد وكذلك تأجيل معظم الرسوم الحكومية والإعفاءات وغيرها من القرارات الكثيرة التي تصب في مصلحة المواطن أولاً.

وعلى خلفية القرارات الاخيرة التي أصدرتها الهيئة بحق بعض الشركات الوطنية فقد عملت الهيئة على ضبط اللوائح ولكنها افتقدت مرونة معالجة الأزمة نفسها. فأنا لا أطلب من الهيئة عدم تطبيق الانظمة ولكن يجب علينا مراعاة الوضع الراهن، فأن تصل البضاعة متأخرة خيراً من أن لاتصل أبدا، وسوف نرى قريبا تأثير هذه القرارات وعلى المدى القصير على سلاسل الإمداد وقد يخلق ذلك سوق سوداء لبعض الشركات المخالفة وسوف نشهد إرتفاعاً في اسعار الشحن التي ارتفعت مؤخرا وبشكل واضح. المواطن اليوم عندما تتوجه له من منبر إعلامي رسمي وتشرح له وتبين أثر أي مشكلة على أي قطاع سوف يتفاعل معك ويتفهم الوضع.

ثم أنه يجب علينا الاستفادة من هذه الأزمات بالنظر في وضع الدعم المقدم لشركات اللوجيستك الوطنية لتقوم بعملها المطلوب كذلك وضع انظمة رقابية وتطوير لوائح  تكفل عدالة السوق وتحيد التعارض بين الجهات الحكومية في الرقابة على سوق اللوجيستك فمن غير المنطق أن تكون هناك شركات تعمل في القطاع اللوجيستي و لاتملك رخصة بريدية، ومن غير المنطق أن تكون هناك شركات لوجيستك تتعاقد بالباطن مع شركات مقاولات غير بريدية لمساندتها بالتوزيع ، فهذا يضر بسعودة وظائف ساعي البريد.

القطاع اللوجيستي رافد اقتصادي يدر دخل على الدول وجلب الاستثمارات الاجنبية في هذا النشاط مهم لاي بلد ولكن الاولوية للشركات الوطنية ، صحيح أن العالم اليوم يعتبر سوق مفتوح للعمل التجاري ولكن هناك الكثير من الدول تعطي أولوية غير معلنة لشركاتها اللوجستية وعلى رأسها أمريكا وألمانيا في منافذ المطارات وغيرها.

ومن جهة نظري بأن المملكة لا يوجد فيها قطاع لوجستي مكتمل وناضج حتى الآن والشركات الوطنية الموجود ما هي إلا الأساس للانطلاق بقوة إلى العالم الخارجي الذي نفتقد وجودنا التجاري فيه (لوجيستياً) ، فيما عدا بعض الشركات القوية والمدعومة من قبل الدولة مثل شركة النقل البحري والخطوط الجوية العربية السعودية والتي يعتبر نشاطها جزء من أنشطة اللوجستك، فنحن لانملك شركات مثل ارامكس (والتي تملكها حكومة دبي) ودي اتش ال وفيدكس وغيرها من الشركات العالمية. وأنا أستغرب حقيقة عدم وجود أي استثمار من قبل صندوق الاستثمارات العامة في هذا الجزء من القطاع الحيوي المهم بالرغم من وجود الشركات الوطنية التي تحتاج فقط دعم بسيط للوصول إلى مصاف الشركات العالمية.

صدقوني وأقولها من ثقة ومن مقارنات واضحة بأن القطاع لو تم ضبطه وتنظيم سوقه وتحييد التعارض في الاشراف بين الجهات الحكومية  سوف يستوعب أكثر من ثلاثين ألف موظف سعودي و بدخل يتجاوز السبعة آلاف ريال شهريا وسوف يغطي جميع مناطق وقرى المملكة.
وما أتمناه هو أن يكون هناك توازن بين تطبيق اللوائح ومرونة التعامل مع الازمة للخروج بثبات بدون إضرار بالمواطن وبالشركة الوطنية جميعاً.
 

متخصص في الدعم اللوجيستك [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو