الثلاثاء 15 ذو الحجة 1441 - 04 أغسطس 2020 - 13 الأسد 1399

كيف ستعالج الدول النامية آثار أزمة كورونا الاقتصادية؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

ما هو التوجه الأعلى احتمالية الذي يمكن لكثير من الدول النامية تبنيه وبجدية لمعالجة آثار أزمة كورونا,الاقتصادية، وأيضا لتخفيف وطأة أي أزمات عليها في المستقبل؟

كما ذكرنا في المقالة السابقة، تكلفة جائحة كورونا - وهي مازالت في موجتها الأولى – عالية جدا، وقد أدخلت دول العالم في أزمة اقتصادية مؤلمة، كان للعولمة – التي ربطت اقتصادات الدول ببعضها وبشكل معقد - دور لا يمكن انكاره في تعميقها، خاصة أن الاقتصاد العالمي في عام 2019 لم يكن مُطمئِن بسبب بداية الحرب الكلامية التجارية الأمريكية الصينية، وضعف أسعار النفط مما استدعى وضع اتفاقية لتخفيض الإنتاج، كما أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ساهم في بناء حالة عدم اليقين الاقتصادية.

ومع القلق المتزايد من احتمالية الانزلاق في كساد اقتصادي كبير، خاصة مع ظهور إشارات مقلقة من أهمها بداية بيع بعض الدول لشيء من أصولها مثل الذهب، فإن الكثير من الدول النامية بدأت فعليا في التفكير جديا في الانكفاء على نفسها لأجل تأمين سلامة اقتصاداتها ومجتمعاتها، لأنه لا يعرف متى ستنتهي الجائحة، وإذا ما سيكون لها موجات إضافية كما حصل مع جائحة الأنفلونزا الإسبانية عام 1918، وكم ستستغرق فترة التعافي الاقتصادي لهذه الدول بعد الخروج من الجائحة.

هذا الانكفاء يعني أن كثير من هذه الدول ستعمل على مشاريع تنمية اقتصادية داخلية، من أهمها توطين تصنيع السلع التقليدية وبلا مساومة في تفعيل واسع لمفهوم المحتوى المحلي. هذا المساق يحتاج تحرك سريع، مما يعني توسيع نطاق ريادة الأعمال الابتكارية، والاعتماد على رواد الأعمال ممن يمتازون بسرعة الحركة، ودعمهم لتطوير منشآت صناعية صغيرة ومتوسطة، توظف من خلالها تطبيقات التحول الرقمي – الذي لم يعد ميزة تنافسية بعد اليوم - في تقصير سلاسل الامدادات، وأيضا تطوير الخدمات اللوجستية لتكون أعلى مرونة.

 كما أن التركيز على توطين صناعة المواد الداخلة في تصنيع المنتجات النهائية – خاصة في الغذاء والدواء والاعتناء بالبيئة - مسألة جوهرية ولا غنى عنها، وتحديد ما هي مواد التصنيع المستوردة التي يمكن انتاجها محليا والمواد النهائية للاستهلاك التي يمكن أيضا تصنيعها محليا، ويتوقع أن يدعم هذا التوجه بالعديد من التشريعات الإسنادية مثل رفع الرسوم الضريبية على المنتجات المستوردة في هذه الدول لدعم الإنتاج المحلي، وأيضا لدعم الميزان التجاري المؤثر في أرقام مجمل الناتج المحلي لهذه الدول. علاوة، مسألة تملك معرفة صناعة خطوط انتاج التصنيع النهائي والقدرة على التنفيذ سيكون مسار استراتيجي، وستكون على رأس قائمة أولويات الكثير من هذه الدول. 

وبما أن هذا التوجه يحتاج استثمارات، خاصة بعد ما جمعت العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة ديون تقدر بحوالي 34 مليار دولار، وتستحق الوفاء في غضون 12 شهر قادمة بعد التغير السريع الذي طرأ على حركة نزوح رؤوس الأموال الاستثمارية الأجنبية فيها والمتجاوزة 54 مليار دولار - وقد أشارت رئيسة صندوق النقد الدولي لهذه المسألة في أواخر الشهر الماضي -  سنرى تعديلات جوهرية في تشريعات الاستثمار في هذه الدول لمحاولة اغراء وجذب الاستثمارات الأجنبية وخاصة الصينية، وستقدم هذه الدول المستحيل لتحقيقه، مما سيرفع من حدة تنافس الدول فيما بينهم في هذا الخصوص. أيضا، سنرى الصناديق السيادية في هذه الدول تدخل وبقوة في استثمارات دولها المحلية. 

قطاع المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة هو الواقع الجديد، وهو المتأمل فيه خاصة اذا دُعم بتفعيل لا تهاون فيه لأدوات المحتوى المحلي، مما يجعلها قوية ويؤهلها أن تكون قادرة على إيجاد الوظائف وتحريك السوق المحلي أثناء مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية مهما كانت طويلة أو قصيرة. كما أن عوائد هذا القطاع ستكون جيدة جدا، خاصة عندما يكون البديل المستورد غير متوفر أو صعب تحمل تكاليفه العالية بسبب الرسوم الجمركية أو الضريبية العالية عليه.  

يدعم هذا التصور في التوجه الجديد للدول النامية ما ناشدت به شركة مكنزي الاستشارية الشهيرة – أخيرا - في أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو طوق النجاة في مواجهة أزمات الأوبئة ضمن إطار تكاليف مقبول، وإعلان البنك الدولي – قبل عدة أيام – لمساعدة الدول النامية في إعادة النظر في التشريعات المرتبطة بشؤون التمويل وأنظمة الدعاوي القضائية لهذا القطاع الذي يحتاج تعامل خاص، وذلك من أجل تعميق جذوره في الاقتصادات الناشئة وحمايتها من المتاعب المستقبلية. 

لن تقف الدول النامية مكتوفة الأيدي. التصنيع المحلي والتحول الرقمي – على المستويين الاستراتيجي والتعبوي هما الضامن لحراك واكتفاء هذه الاقتصادات في المستقبل –  وهما ليسا اختيار، والاستثمار فيهما بسخاء ليس اختيار، وجنود المرحلة القادمة هم رواد الأعمال ومنشآتهم الصغيرة والمتوسطة في الابتكار التقني والصناعي، وهو ليس اختيار أيضا. 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

FerneEnene Hello my friend. Our employees wrote to you yesterday maybe...
سالي لا حول ولا قوة الا بالله الله يرحمة لابد من وضع آلية واضحة...
Metal Bader 🤪 حبو وعشق اللي اخترع البيبسي حتى ما بيشرب منه ومن قتل نفس...
Bassam Ahram موضوع مهم، وسياق منتظم، تم تقديمه بعنايه واسناده لمراجع...
مجهول التزمي الصمت وابتعدي عن الغيرة و لا تبدي أي رد فعل ستتحسن...

الفيديو