الأحد 11 جمادى الثانية 1442 - 24 يناير 2021 - 04 الدلو 1399

 هل يتمكن النفط الصخري الأمريكي من العودة ؟

م. محمد القباني

تمر صناعة النفط الصخري في أمريكا بأسوأ مراحلها, بعدما أوصلت إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى مستويات قياسية ووضعتها على عرش منتجي النفط في العالم. ينخفض إنتاج النفط الصخري الآن بشكل متسارع لأسباب عدة من أهمها: انخفاض الطلب على النفط والغاز الطبيعي وبالتالي انهيار الأسعار. وضعف الطلب العالمي أدى إلى وفرة في النفط غير المباع والذي يحتاج إلى تخزين, مما جعل أسعار التخزين ترتفع بنسبة كبيرة تقارب ال 30% وهي تكاليف إضافية على المستثمرين في هذه الصناعة. وما حدث في (الإثنين الأسود) كما يفضل الكثير تسميته من بيع نفط غرب تكساس بالسالب, جعل شركات النفط الصخري في وضع لا يحسدون عليه أمام المستثمرين.
 
 هذه المرحلة تعيدنا بالذاكرة إلى أزمة 15-2016 عندما مرت هذه الصناعة بأوضاع مشابهة لما تمر به الآن, ولكن عادت أقوى مما كانت عليه قبل الأزمة, واستطاعت أن تسترجع مستوياتها وتضيف عليها أكثر من 4 مليون برميل يومياً. لحسن الحظ في هذه الفترة الاستثنائية, كنت أعمل مهندس في حقول النفط في ولاية تكساس وبالتحديد في أكبر حقل صخري في أمريكا (حوض البريميان). وأتاحت هذه فرصة لي مشاهدة عن قرب كيف استطاعة التغلب على الأزمة والعودة منها أقوى.
 
 من أهم العوامل التي ساعدت الشركات على تجاوز تلك الأزمة:
 
 مرونة السوق الأمريكية وأنظمة العمل, على سبيل المثال: كانت الشركة تستطيع الاستغناء عن مئات الموظفين في غضون ساعات وبدون أي مصاعب قانونية, وبعد أشهر العودة والتواصل مع هؤلاء الموظفين وإعادتهم إلى العمل. نظام العمل بالساعات, يتيح للشركات مرونة في تقليص تكاليفهم التشغيلية وضبطها مع احتياجات السوق.
 
 الموارد المحلية, كان كل ما تحتاجه هذه الشركات تقريباً من السوق المحلية, ولأنهم أيضاً (التجار المحليين) يستطيعون الاستفادة من مرونة السوق وأنظمة العمل بالتخلص من الكثير من التكاليف كانوا قادرين على تقديم تخفيضات أحيانا تصل إلى 80% من السعر المعتاد.
 
 أعادت هيكلة الديون, أغلب الاستثمارات الأمريكية (إن لم تكن كلها) في هذه الصناعة من القطاع الخاص, وتعتمد بصورة رئيسية على القروض البنكية في التأسيس أو التوسع, وأثناء تلك الأزمة تم أعادت جدولة الديون عن طريق البنوك مما ساهم في تخفيف الضغط على الشركات.
 
 الاندماجات, أيضا ساهمت الاندماجات بين الشركات الصغيرة و استحواذ الشركات الكبيرة على الشركات المتعثرة في تلك الأزمة في تخفيض التكاليف التشغيلية وغير التشغيلية مما أتاح لهذه الصناعة مرونة أكثر مما كانت عليه. حتى وإن أثرت سلبيا هذه الاندماجات والاستحواذات على المشاريع التوسعية وزيادة الإنتاج في المستقبل القريب, إلا أن سياسة الأولويات أثمرت وكانت القرار الصحيح, وأكبر دليل هو استعادة مستويات ما قبل الأزمة وزيادة 4 مليون برميل يوميا كما ذكرنا سابقاً, وهذا ما يعد إنجاز تاريخي جعل أمريكا تتربع على عرش منتجين النفط في العالم.
 
 السوق المحلية, التقليل من الاستيراد و إعطاء الإنتاج المحلي أولوية في الشراء كانت نقطة فارقة ساهمت في استمرار الطلب على الصخري وتقليل معاناة منتجيه.
 
 هذه بشكل عام أهم العوامل التي ساعدت هذه الصناعة بتجاوز تلك الأزمة. السؤال المهم الآن هل هذه التجربة قابلة لتكرار وعودة الصخري الأمريكي مرة أخرى؟ أم أنها تجربة استثنائي لا يمكن تكراره؟
 
 أعتقد أن الصخري الأمريكي في الوقت الحالي يملك مقومات أفضل مما كان يملك قبل 2015, لأسباب عدة منها:
 
- الدعم الحكومي: الحزب الحاكم الحالي (الجمهوري) داعم لهذه الصناعة بشكل أكبر من الحزب الحاكم (الديمقراطي) في 2015.
- التشريعات: استفادت الشركات من  التجربة  السابقة وأصلحت الكثير من البنود , التي  لم تكن ذات أهمية من قبل. 
- على سبيل المثال: كان العقد بين المنتجين و مالك الارض يلزم المنتجين بالاستمرار بالانتاج وحفر الآبار تحت اي ظرف, وأن توقف أختيارياً عن الانتاج او حفر الآبار المتفق عليها في المدة المحددة, يحق لصاحب الأرض سحب الامتياز منه وطرده. 

- في الوقت الحالي: نرى ا الكثير من الشركات أغلقت ابارها عند انخفاض الطلب, وهذا يعطينا مؤشر انهم تمكنوا من اصلاح هذا البند
.
 التحوط, تحوط الكثير من شركات النفط الصخري عند سعر 45 دولارا للبرميل, وهذا ما يوضح لنا استمرار الانتاج الصخري والاسعار عند الـ 20 دولارا. ما معنى التحوط؟ هو أن تدفع الشركات لصناديق التحوط او البنوك مبالغ مالية ثابتة تحميها عند تقلبات أسعار السوق لفترة معينة. هذا الاجراء يضمن التدفق النقدي لفترة معينة للشركات في هذه الأوقات الحرجة,  مما يوفر لها وقت كافيا تتخذ فيه الاجراء المناسب من دون ضغوط مالية.

 تكلفة الانتاج, اصبحت تكلفة الإنتاج الصخري الآن أقل بكثير مما كانت عليه, يعود السبب لنضوج الصناعة وتطور التكنولوجيا المستخدمة, اكون مستاءً جداً عندما ارى البعض من المحللين في الإعلام يستخدم تكلفة الإنتاج السابقة عند مستويات ال 80 او 70 دولارا, او المتشائمين الذين يتحدثون عن وصول تكلفته الى 25 دولارا للبرميل.
 التكلفة الحقيقية للنفط الصخري مختلفة من حقل الى آخر, ولكن اسعار ال 40 دولار تعتبر متوسط تكاليفه التشغيلية بعد ما كانت تتجاوز ال 80 دولارا للبرميل قبل عقد من الزمن.

 أعتقد أن الصخري سوف يعود ولكن هل يتجاوز ما تم تحقيقه في السنوات القليلة الماضية؟ هذا ما سوف تجيب عنه الأسواق في المستقبل القريب.
 
 الصخري لن يبقى منافساً للتقليدي الى الابد, لمعدلات نضوبه وتكاليفه العالية, ولكن سوف يبقى على الاقل لعقد او عقدين, ويجب أن يستعد النفط التقليدي لتعويض نضوبه في المستقبل.

مختص في الطاقة واقتصادياتها [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

ابو فيصل اذا اردت تعطيل امر اعمل له لجنه معقولة لجنه من كل هذه...
ابو معاذ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا موظف في شركة لمدة 10...
محمد اتجاهات قرارات وزارة الموارد البشرية قوية ولها ابعاد...
هاحر هل هجرة لبن سيتم نزع ملكيتها واذاالجواب نعم متى سيتم نزع...
احمد في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية استنزف اقتصاد الوطن...

الفيديو