الأربعاء 12 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 - 06 العقرب 1399

السلطات الـ 3 في الشركة ضمن معايير الحوكمة

هشام عماد محمد العبيدان

تسعى فكرة حوكمة الشركات بالأساس إلى تحقيق النمو الاقتصادي، ليس عن طريق زيادة ضخ السيولة وتدويرها ضمن دائرة تشغيل رأس المال الاعتيادية، بل عن طريق دعم الكفاءات الإدارية القادرة على تسيير حركة رأس المال هذا بالأسلوب الأمثل.

تفرض الحوكمة "أسلوباً خاصاً" في إدارة العلاقة بين "السلطات الثلاث" الجمعية العمومية للمساهمين وبين مجلس الإدارة، ثم بين هذا المجلس وبين الإدارة التنفيذية؛ حيث ينطلق الأسلوب الإداري "المُحَوْكَم" من فكرة اللاَّمركزية الإدارية، إلى فكرة توزيع المسؤوليات والمساءلة عنها.

فالحوكمة عندما تمنح الصلاحيات والاستقلال والمرونة ضمن العمل الإداري للشركة، فإنَّها تفرض في المقابل المسؤولية على كلٍّ من الدوائر الإدارية العليا في الشركة واللجان التنفيذية، تجاه الجمعية العمومية للمساهمين.

يتمُّ كلُّ ذلك في ظلِّ تطبيق أعلى معايير النزاهة والثقة والشفافية والإفصاح، المترافقة مع الرقابة الدقيقة والمساءلة العادلة. 
هذه الصورة الإدارية المثالية هي القادرة على الوصول بالشركة إلى مرحلة الاستقرار المالي من المنطلق الاقتصادي في كلِّ شركة على حدة، فالحوكمة إذاً هي الطريق الإداري نحو النمو الاقتصادي.

تفرض معايير حوكمة الشركات قواعداً مرنةً أساسها الثقة المتبادلة داخل الهيكل الداخلي للشركة عن طريق تكوين منظومةٍ دقيقةٍ ترتكز على الشفافية التامَّة من مجلس الإدارة، وفرض قواعد خاصة بالمُدَراء التنفيذين أصحاب المصالح والذين لهم حق الاطلاع والمعرفة لِمَا يدور داخل الشركة.

تتطوَّر الشركات عن طريق وقف الممارسات الخاطئة التي قد تقوم بها الجهات التنفيذية بعد أنْ تفرض نفوذها على مجلس الإدارة ثم تُسيطِر على قراراته، ممَّا يترتَّب عليه انخفاض أداء الشركة؛ لأنَّ حركة الأعمال في هذه الصورة السلبية ستهدف إلى تحقيق مصالح هؤلاء الأشخاص المُسيطرين وليس مصلحة الشركة ككيانٍ مستقلٍّ عنهم. 

 بهذه الحالة يكون دور حوكمة الشركات قطع العلاقة غير المشروعة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والتي تدعم مصالحهم الشخصية، ذلك عن طريق الرقابة والمساءلة.

وفي هذا الإطار يمكن لقواعد انتخاب أعضاء مجلس الإدارة والمُدَراء التنفيذين من أصحاب الكفاءات العالية والخبرة والسمعة الطيبة أن تُسهِّل تطبيق معايير الحوكمة وتُضاعِف من تأثيرها، ذلك دون ترجيح المقرَّبين من أعضاء المجلس أو أصحاب النفوذ عليهم.
 إلاَّ أنَّ كلمة السر في انضباط عمل الشركة ضمن سياق معايير الحوكمة تكمن في نجاح لجان الرقابة الداخلية في الشركة بأداء مهامها بحياد وكفاءة؛ فهي العين الخبيرة والمُطَّلعة على مفاصل العمل داخل الشركة.

من هذا المنطلق يجب أن تكون إدارة الشركة حريصةً على تشكيل لجان الرقابة والمحاسبة من الأعضاء المستقلِّين غير التنفيذيِّين في الشركة.

ولكن هل يكفي النص على هذه القاعدة في أنظمة الحوكمة لضمان حياد لجان الرقابة؟
الحقيقة أنَّ العلاقة التي تجمع بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية قد تكون علاقة تفويض وإشراف أو علاقة اشتراك في ممارسات استغلال المراكز الوظيفية، الأمر الذي يجعل لجان الرقابة غير بعيدينَ عن ضغوط الفساد الإداري ضمن هيكل الشركة، ذلك حتى وإن كان أعضاء هذه اللجان من المستقلِّين تنفيذياً.

بناءً عليه، فإنَّ الحل لإشكالية التأثير على لجان الرقابة في الشركة لا يكمن في استقلال أعضاء هذه اللجان بقدر ما يكمن في شفافية عملها أمام الجمعية العمومية للمساهمين من جهة، وفي قدرة وجدية هذه الجمعية على قيامها بدورها الإشرافي والمحاسبي المحوري لمجلس الإدارة من جهة أخرى.

ببساطة، فإنَّ الحوكمة تحتاج إلى وعي المساهمين بمركزهم في الشركة وبأدوارهم المطلوبة منهم، ثم إلى ضرورة تفعيل عملية التناغم بين السلطات الثلاث في الشركة (الجمعية، والمجلس، والإدارة التنفيذية)، عندها فقط يكون لرقابة لجان الشركة الداخلية مفعلوها الحقيقي، وعندها يمكن الحديث عن تطبيق معايير الحوكمة على أرض الواقع.

وسنرى في المقالات القادمة بإذن الله انعكاس هذه الأفكار على معاير حوكمة الشركات السعودية بالمقارنة مع المعايير العالمية.
 

محامي - ماجستير في قانون الشركات من كلية القانون الكويتية العالمية (KILAW) [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو