الأحد 10 صفر 1442 - 27 سبتمبر 2020 - 05 الميزان 1399

بدء إصلاح التعليم الجامعي في السعودية

جمال بنون

منذ عقود ظل خبراء التعليم في السعودية في حيرة، حول طريقة إصلاح التعليم، واجروا العديد من البحوث والدراسات ليمسكوا أول الخيط، حتى يقودهم الى طريقة مثالية للتعليم، واحتاروا، هل يطورا المباني أو يعدلوا الفصول الدراسة أم  يخفضوا أوقات الحصص الدراسية، أو انهم يضيفوا مواد دراسية أخرى، ومرة يقولون أن العلة في اختيار هيئة التدريس، واحيانا يرون أن بعض المدرسين يحملون أفكارا مضللة إن كانت عقائدية أو دينية ويبثون في الطلاب روح الكراهية والعنف.

ولتحسين بيئة التعليم ضخت الحكومة الكثير من المبالغ واجرى جهاز التعليم الكثير من التغييرات الإدارية للوصول الى نتيجة مرضية، وأنفقت الدولة على قطاع التعليم بالتساوي وربما اكثر على قطاع الصحة من موازنتها السنوية وبلغ ما انفق على التعليم خلال العقدين الماضيين يقترب من تريليوني ريال، إلا أن المخرجات التعليمية لم تكن مرضية، رغم زيادة عدد الجامعات الحكومية التي اقتربت من 30 جامعة حكومية واكثر من 12 جامعة أهلية، ومنحت هذه الجامعات مساحات شاسعة من الأراض لبناء كلياتها وأقسامها المستغل منها فقط 20 و30 في المائة، وخاصة جامعتي أم القرى والملك عبد العزيز على سبيل المثال.

وبقيت الجامعات السعودية إن لم تكن عالة على سوق العمل واحتياجات التعليم فهي مشاركتها في الناتج المحلي يكاد يكون ضعيفا، رغم الإنفاق العالي، وأغرقت السوق بكليات لا تسمن ولا تغني من جوع، وليس لها طلب، فحاجتنا للأطباء بمختلف تخصصاتها لا تزال قائمة، والمهندسين أيضا لا زلنا نشعر بنقص فيها، وفي المحاماة والقانون والمحاسبة والمالية والتقنية والتكنولوجيا والعلوم الأخرى. ولأن التسجيل في الجامعات الحكومية ميسر وسهل، فكان التفكير الأول لدى الطالب المتخرج من الثانوية هو التسجيل في الجامعة والتخرج منها، والحصول على الشهادة، لان مواقع العمل، تشترط الحصول على الشهادة الجامعية قبل الاعتراف بالشهادة المهنية، وهذا ما جعل السوق السعودي اكبر سوق لحملة الشهادات المزورة بل يتسارع الكثيرون الى شراءها، وبالفعل تم ضبط حالات كثيرة في مستشفياتنا وفي أقسام الهندسة وحتى الطب وفي مجالات مختلفة، بل وصل الأمر أن الكثير من هؤلاء أصحاب الشهادات الجامعية الوهمية يغضب ويزعل و يتنرفز ويعصب اذا لم تناديه يا دكتور أو يا بروفسور.

الأسبوع الماضي منح الملك سلمان الضوء لثلاث جامعات وهي الملك عبد العزيز – والملك سعود – والإمام عبد الرحمن لتخرج من عباءة الدولة وتنال استقلالها المادي والإداري، وهذه المرحلة الأولى وسوف تخضع الجامعات التي استقلت، الى معرفة إيجابيات وسلبيات القرار، طبعا كل البدايات صعبة وتحتاج الى تشكيل هويتها، لان قرار استقلال الجامعات جديد في مجتمعنا، فماذا يعني استقلال الجامعات؟.

هذا يعني أن الكليات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وكانت تغرق سوق العمل بعاطلين سوف تغلق، وربما نجد كليات وأقسام تتناسب مع الوضع الاقتصادي واحتياجات سوق العمل، وبالتالي سوف توفر هذه الجامعات المبالغ التي كانت تصرف لكليات نائمة ولأعضاء هيئة التدريس فيها، أتوقع أن هذا الإجراء سوف يدفع الجامعات الى التخلص من 30 الى 40 في المائة من كوادرها التعليمية، وتستبدلهم بكوادر تعليمية مؤهلة وربما تستقدم أجانب من دول متقدمة، طالما انهم سيفيدون البلد، وسوف نجد أيضا الكثير من الكليات تغلق لعدم حاجتها.

استقلال الجامعات السعودية الثلاث في مرحلتها الأولى، سوف يرسم هوية الجامعات الأخرى التي يتوقع أن تأخذ نفس المسار اذا استطاع مجلس شؤون الجامعات وضع خطة تنفيذية محكمة، وتضمنت لائحة نظام الجامعة 58 مادة مختلفة من بينها يحق للجامعة تقاضى مقابل مالي لتنمية إيراداتها الذاتية، كفرض رسوم دراسية لبرامج الدراسات العليا، وبرامج الدبلومات والدورات التعليمية والتدريبية، ورسوم من الطلبة غير السعوديين، ويستثنى من ذلك المنح الدراسية المجانية، ومبالغ مالية مقابل القيام ببحوث علمية، أو خدمات استشارية، لجهات أخرى داخلية أو خارجية بما لا يخل بأهداف الجامعة ورسالتها وأيضا تحصيل مبالغ مالية نتيجة استثمار الإيرادات المالية النقدية والعينية وتنميتها ومقابل التعاقد مع الجهات الحكومية وغيرها لتأمين ما تحتاجه تلك الجهات من الكفايات الوطنية من أعضاء هيئة التدريس لأداء مهما تحدد وفقاً لعقد عمل يعتمد من الجهتين بعد موافقة عضو هيئة التدريس والمجالس المختصة.

وليس عيبا أو خجلا أن نستنسخ تجارب دول سبقتنا لنبدأ من حيث انتهى الأخرون، طالما أن الهدف هو تحسين مخرجات التعليم، والتحول من المحلية الى العالمية، فمثلا في كوريا الجنوبية تجربة رائدة في التعليم تستحق الالتفات الى تجربتها، ورغم مرارة الانقسام التي مرت بها الكوريتين، إلا أن تجربة كوريا الجنوبية في التعليم كانت مذهلة فالمعلومات تشير الى أن نسبة التعليم في كوريا يبلغ 96 في المائة، وتملك ثروة بشرية هائلة تتمثل في شعب جيد التعليم، وانتقلت خلال 60 عاما فقط من اكثر الدول فقرا الى دولة تشهد تطورا ملحوظا في المجال التعليمي ومن دولة مستفيدة من المساعدات الى دولة مانحة، واهم الإنجازات الرائدة تمتع الطلبة عند بلوغ 15 عاما بمستوى عال من المهارات التي تمكنهم من الابتكار، فيما تركز بلاده على جودة التعليم الثانوي.

وأطلقت مبادرة "الدماغ الكوري 21" وهو مشروع من مرحلتين يهدف الى تطوير تنافسية كليات الدراسات العليا والجامعات البحثية عالميا، بالإضافة الى بناء قدرات بشرية بحثية عالية الجودة، والبرنامج يقوم بتمويل الزمالات الدراسية للخريجين الجامعيين وخريجي الدكتوراه وأساتذة الأبحاث المتعاقد معهم والمنضمين الى مجموعات الأبحاث لدى أفضل الجامعات، وللتأهل الى البرنامج والحصول على التمويل الحكومي.

يتعين على الجامعات تنظيم اتحادات بحثية مكونة من هيئة أساتذة الجامعة، والتعاون فيما بينهم في مشروعات محددة. مشروع الدماغ الكوري تم إطلاق المرحلة الأولى من المشروع عام 1999 بميزانية تبلغ مليار و200 مليون دولار، وبدا المشروع الثاني في عام 2006 بميزانية تبلغ مليار و800 مليون دولار وبعد الانتهاء من مرحلتي برنامج الدماغ الكوري 21، أطلقت الحكومة برنامج الدماغ الكوري 21 "بلس" في عام 2013 وانتهى العام الماضي إجمالي استثمارات هذا المشروع الجديد ملياري دولار والهدف هو إنتاج قفزة نوعية بدلا من النمو الكمي.

نحن أمام تجربة جديدة في صناعة التعليم الجامعي، وربما قد يزعج الكثيرين، إنما يؤسس لمستقبل ناضج يخدم متطلبات سوق العمل واحتياجاته ويدفع نحو الجودة والمنافسة، وقد تكون في المستقبل علامة تجارية ومقصد للطلاب من دول العالم، مثلما نتفاخر حينما يذهب أبنائنا وبناتنا لجامعات مثل هارفرد وستانفورد وأكسفورد.

كاتب وصحافي اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو