السبت 02 صفر 1442 - 19 سبتمبر 2020 - 28 السنبلة 1399

مقدمة في اقتصاد السكن 

سعد داود قرياقوس

السكن حاجة إنسانيَّة أساسيَّة وضرورة حياتيَة، وسلعة اقتصاديَّة متميِّزة بالغة الأهميَّة. تنظيم سوق السكن وإدارة جانبيه "العرض والطلب"، وتحقيق توازنه، وإيجاد حلول لمشاكله، تحدِّيات معقَّدة تواجه الحكومات الاتحاديَّة والمحليَّة ومنشآت التطويرالعقاري الخاصَّة والمؤسّسات الاقتصاديَّة الإنسانيَّة.

تهدف هذه المشاركة لتقديم عرضٍ موجز لأهمِّ الجوانب النظريَّة الخاصَّة باقتصاد السكن، دون التعرُّض لسياسات إدارة أزمة قطاع السكن وأبعادها الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة وسبل معالجتها.

الأهميَّة الاقتصاديَّة لسلعة السكن، وتأثيرها في الأداء الاقتصادي، تنبع من ارتفاع إسهامها في الاقتصاد. معدل الإنفاق الاستهلاكي على السكن يحتلَّ  قرابة أربع وثلاثين من المئة من الميزانيَّة السنويَّة للفرد أو الأسرة. في حين يبلغ  المعدَّل العالمي لنسبة إسهام السكن في الناتج  المحلِّي الإجمالي من خمسة عشر من المئة حتَّى الثَّمانية عشر منها.

هذه الحصَّة المؤثِّرة في النشاط الاقتصادي لها  جانبان من الأهميَّة. الأوَّل، يكمن في كونها تتيح للمخطَّط الاقتصادي آليَّة يتمكَّن من خلالها التأثير في  نموِّ الناتج المحلِّي الإجمالي  من خلال تنمية قطاع الإسكان وتحفيزه. والثاني، يعزى لتأثيرالتقلُّبات الحادَّة وغير المخطَّطة في محدِّدات معادلتي العرض والطلب على أداء الاقتصاد ونموُّه.

السكن سلعة مركَّبة، تنفرد بسمات تميَّزها من غيرها من السلع الاستهلاكيَّة؛ أهمُّها:
أوَّلًا؛ كون الوحدة السكنيَّة سلعة باهظة الثمن. يفوق معدَّل سعر الوحدة  السكنيَّة الدخل السنوي لغالبيَّة الأفراد بعدَّة أضعاف. وهذا يجعل شراء مسكن ودفع ثمنه بالكامل أمرًا صعبًا للكثيرين. هذه الصعوبة تضع  الأفراد إزاء خيارين؛ إمَّا الاستئجار، أو " الملكيَّة  الجزئيَّة"؛ الاقتراض من المؤسسات المالية لتمويل صفقة الشراء. 

ثانيًا؛ عدم تجانس مخزون الوحدات السكنيِّة. تتباين المساكن من حيث المساحة وعدد الغرف وعمر الوحدة، والتصميم المعماري الخارجي والداخلي، والمزايا الجماليَّة، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي. هذه العناصرمجتمعة، تحدِّد ثمن الوحدة السكنيَّة الذي لا يقتصر على كلفة الأرض والبناء فقط، بل يشمل أيضًا قيمة المتع  "HEDONICS"  التي تتيحها الوحدة السكنية لقاطنيها. اختيارموقع وحدة السكن، يعتمد على معاييرأساسيَّة اقتصاديَّة واجتماعيَّة منها؛ طبيعة "الجيرة"، والقرب من شبكات النقل وطرق المواصلات، ومن مواقع عمل أفراد ا لأسرة، وتواجد مركز الخدمات والمنافع العامَّة. شراء الوحدة السكنيَّة  قرار اقتصادي، فالفرد يختار الوحدة السكنيَّة التي تمنحه أكبر قدرٍ من المنافع استنادًا إلى موارده  المحدودة.

ثالثا؛ المتانة وطول مدَّة الانتفاع. المسكن سلعة متينة تتيح لأصحابها منافع استهلاكيَّة لمدَّة طويلة الأمد من الزمن، إذا ما تمَّت صيانته بشكل دوري. المتانة لها بعدان؛ أولُّهما ارتفاع كلفة الصيانة، والثاني؛ الجزء الأعظم من مخزون الوحدات السكنيَّة، أو الكميَّات المعروضة في السوق تزيد أعمارها عن السنة الواحدة.

رابعًا؛ دور التأثير الخارجي " Externalities " السلبي في  اختلال توازن سوق السكن ، وتغيُّر أسعار الوحدات السكنيَّة. التأثير الخارجي السلبي حالة تنجم حين يُلْحِقُ سلوك وحدة اقتصاديَّة، فردًا او منشأةَ، آثارًا سلبيَّة ذات كلف ماليَّة على وحدة، أو وحدات اقتصاديَّة أخرى  دون أن يتحمَّل المسبِّب تبعات سلوكه الماليَّة. 

الوحدة السكنيَّة المملوكة هي للكثيرين أحد أهم مكوِّنات ثرواتهم الشخصيَّة، إن لم تكن المكون الوحيد. لذا، فإنَّ تقلُّبات سوق السكن الناجمة عن صدمات (العرض والطلب)، أو عن "التأثير الخارجي"  تقلِّل من قيمة الوحدات السكنيَّة وتخفض ثروة مالكيها.

للتأثير الخارجي  مصادر متعدِّدة منها؛ التلوُّث البيئي الناجم عن إنشاء مراكز صناعيَّة قريبة من الأحياء السكنيَّة، وتغيُّر التركيبة السكانيَّة والاجتماعيَّة للجوار ، وتراجع مستوى الخدمات والمنافع العامَّة. وكذلك الفائض الحاد في عرض الوحدات السكنيَّة المتأتِّي من قرارات المطوِّرين العقاريِّين الخاطئة التي تلحق أضرارًا اقتصاديَّة بمالكي الوحدت السكنيَّة، وتقلل قيمة ثرواتهم الشخصيَّة، دون أن يتحمَّل المطوِّر العقاري، أو أيَّة جهة أخرى تبعات الأضرار. تلك، ليست حالة افتراضيَّة أو نظريَّة، بل معضلة فعليَّة يعاني منها عدد من المدن الخليجيَّة التي شهدت انخفاض أسعار وحدات السكن بنسبة مؤثِّرة عمَّا كانت عليه قبل سنوات قليلة . مفهوم التأثير الخارجي وآثاره الاقتصاديَّة الضارَّة  لم يحظ بالاهتمام النظري والعملي المتناسب مع أهميَّته، حيث تغافل عنه الكثيرمن الدرسات، وخطط الإسكان الحكومَّية والخاصَّة.
مصادر الاختلال في سوق السكن، وتبعاتها  الاقتصاديَّة.

التوازن في سوق السكن كما هو معلوم، يتحقَّق عندما  تتساوى كميَّة وحدات السكن المعروضة مع الكميَّة المطلوبة.  التغييرالكمِّي في محدِّدات معادلتي (العرض والطلب)، يؤثِّرفي الكميَّات المعروضة أو المطلوبة،  وعلى توازن السوق والسعر والكميَّة.  

كمية الطلب على السكن، تحدِّده عدَّة متغيِّرات؛  السعر ومعدل الدخل الفردي وقيمة الضـرائب وسهولة التمويل وسعر الفائدة، والتوقُّعات المستقبليَّة ومعدَّل الإيجار وعدد السكَّان. "العامل الديمغرافي" المتمثِّل بعدد السكَّان والنموِّ العائلي هو الأكثر أهميَّة في تحديد حجم الطلب الفعَّال الآني والمستقبلي على سلعة السكن.  الكثير من سياسات إدارة الطلب على السكن  وبرامجها أخفقت في تحقيق أهدافها بسبب إهمالها تأثيرالعامل الديموغرافي . لذا فإعداد قواعد بيانيَّة تفصيليَّة دقيقة عن النموِّ العائلي عامل مهمٌّ في تصوُّر آفاق مستقرَّة لسوق السكن.

 التقلُّبات الحادَّة وغير المخطَّطة في الطلب على السكن،  تقود إلى تغيُّرات غير متوازنة في الأسعار والكميَّات المطلوبة، وفي عدم استقرار سوق السكن. كما أنَّها تؤثِّر في أداء الاقتصاد ونموِّه بسبب نسبة إسهام قطاع السكن المرتفع في الناتج المحلِّي الإجمالي كما أسلفنا. 
في السياق نفسه، التغيُّرات في محدِّدات دالَّة العرض غير المتناغمة مع تقديرات الطلب، تقود إلى عدم توازن السوق، وتؤثِّر في أسعار الوحدات السكنيَّة.

اختلال سوق السكن في العديد من العواصم والمدن الخليجيَّة يُعزى إلى فائض عرض السكن الناجم عن إخفاق إدارة العرض، والقرارات الخاطئة لشركات التطوير العقاري. الكثير من  المشاريع، أنشئت بناء على تقديرات خاطئة لحجم الطلب، ودراسات لم تعتمد المعايير الاقتصاديَّة، وافتقرت إلى الدقَّة، واعدت شكلياَ لتلبية متطلَّبات التمويل العقاري.  فائض العرض، أفرز انخفاضًا مؤثِّرًا في أسعار الوحدات السكنيَّة، وارتفاع نسبة الشواغر، والعزوف عن إكمال العديد من المشاريع السكنيَّة والعمرانيَّة الخاصَّة. وأهم من كلِّ ذلك، أدَّى إلى  تدهور قيمة مخزون السكن، وتآكل ثروة الأفراد.  

السكن سلعة مميَّزة ذات أهميَّة اقتصاديَّة، وتأثير كبير في النموِّ الاقتصادي والاجتماعيِّ . إدارة جانبيِّ سوق السكن باقتدار ونجاح، وتنظيم عرض السكن، وتحقيق توازن السوق، كلُّها عوامل تساعد على استقرار النشاط الاقتصادي. 
تنظيم عرض السكن، لا يعني تقنين عرض السكن، وتحديد الحدِّ الأقصى للوحدات السكنيَّة المسموح بنائها وعرضها. فلهذا النمط من التدخُّل في سوق السكن إشكاليَّات وتداعيات سلبيَّة متعدِّدة. استقرار السوق، هدف  قابل للتحقيق من خلال إدارة العرض وتنظيمه. وثمَّة العديد من الخيارات والآليَّات التي يمكن تطبيقها لتحقيق ذلك.

اكاديمي وخبيراقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو