الثلاثاء 04 ربيع الأول 1442 - 20 أكتوبر 2020 - 28 الميزان 1399

التنمية وجودة التعليم- الفنون البصرية

عبدالخالق بن علي

صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين على مقترح سمو ولي العهد باقتصار الأعمال الفنية في المقار الحكومية والإهداءات الرسمية على أعمال الفنانين السعوديين. وهذا القرار التاريخي سوف تكون له آثار إيجابية قوية على الفنون البصرية، وعلى الحركة الفنية بشكل عام في المملكة. 

تظل الفنون البصرية أحد أهم القطاعات الاقتصادية بالإضافة إلى قيمتها الثقافية والفكرية والتاريخية. وتحظى بعناية خاصة من كافة دول العالم المتحضر، حيث تمثل مصدرا مهما من مصادر الدخل القومي لكثر من الدول كفرنسا وإيطاليا.

في المملكة مرت الفنون البصرية بثلاث مراحل. الأولى مع بدايات التعليم، وبداية تكوّن المجتمع السعودي الحديث. وفي تلك المرحلة تم إنشاء معهد الفنون بالرياض لتأمين حاجة التعليم من معلمي التربية الفنية. وقد خرّج هذا المعهد عددا من كبار المبدعين ورواد الفن التشكيلي في المملكة أمثال محمد السليم، وعبدالحليم رضي، وفهد الحجيلان رحمهم الله، والفنانين عبدالله حماس، محمد المنيف، وعبدالرحمن السليمان وغيرهم. والبعض تم ابتعاثهم إلى الخارج. وكان لذلك المعهد وخريجيه دور كبير في تأسيس الحركة الفنية في المملكة. 

المرحلة الثانية تسببت في نكسة كبيرة في مجال الفنون البصرية والثقافة ككل. وذلك عندما ظهرت فكرة تحريم الفنون التشكيلية والبصرية بكافة اشكالها وأنواعها. فيها تم إغلاق المعهد، وانتقال تدريس الفنون لكليات التربية في الجامعة، مع تحجيم مجالات التدريس وتقزيمها. والأسوأ حدث داخل المدارس، بتهميش مادة التربية الفنية، وحصرها في رسم الشجرة والوردة والجبل. وهذه المرحلة هي الأطول والأكثر أثرا حتى الآن، لأنها امتدت لأكثر من ثلاثين عام. وقد تسببت في جهل المجتمع فنيا بشكل عميق، ومازال الجهل الفني حتى الآن رغم التحسن البسيط. وقد شاهدت ذلك الجهل الفني حتى في أوساط المثقفين.

المرحلة الثالثة هي التي نعيشها الآن، والتي عادت المملكة إلى الانفتاح على الفنون وإعطاءها مكانتها التي تستحقها من التقدير. والتي توجت بموافقة خادم الحرمين حفظه الله الأخيرة. وقد سبق ذلك إنشاء مسك الفنون، التي يشرف عليها سمو ولي العهد حفظه الله. حيث قامت وتقوم بدعم الفن والفنانين بتبني الكثير من المبادرات المختلفة. والأمل في هذه المرحلة كبير. 
مع ذلك مازالت الفنون تعاني على مستويي التعليم والاستثمار.

فيما يخص التعليم فالحديث عن معاناة الفنون مع (الرسم) كمادة ومنهج دراسي يهتم بالفنون البصرية يطول ويتشعب كثيرا. لكن سأذكر لمحات فقط، والقريبون من المجال الفني والتعليمي يعرفون ما أقوله. أولا، إلى وقت قريب لم يكن للمادة منهج وكتاب، وكانت تعتمد على اجتهادات المعلمين. ثانيا، معظم المعلمين الذين يدرّسون المادة لا يملكون الموهبة، ولا حتى المعرفة الحقيقية لتدريسها، خصوصا غير المتخصصين منهم وهم كثر، وحتى بعض المتخصصين. ثالثا، عدم وجود مراسم للمادة في معظم المدارس، وإن وجد فلا يكفي لجميع الحصص. والأسوأ هو النقص الشديد في الأدوات الواجب استخدامها في تدريس الطلاب. أخيرا، الصراع الكبير بين أولياء الأمور ومعلمي المادة حول مسألتين. ماذا يجب أن نعلم الطلاب من (الرسم) وما لا يجب أن نعلمهم. والأخرى رفض تلبية طلبات المادة الكثيرة والغالية خصوصا على بعض الأسر. كل تلك المشاكل وغيرها حدت كثيرا من آثر المادة في فكر ومهارات الطلاب الفنية. 

فيما يخص الاستثمار أعتمد لفترة طويلة جدا على جهود فردية بسيطة، لا تستطيع التأثير في المجتمع، وتنحصر في خدمة المهتمين فقط. وأعتقد أن بيوت الفنون (بيت التشكيليين)، (بيت الفوتوغرافيين) في جدة، والصالات الفنية فيها كان لها أثر كبير في هذا الجانب. بيوت الشباب في فترة سمو الأمير فيصل بن فهد رحمه الله كان لها دور مؤثر في دعم الحراك الفني على مستوى المملكة، لكنه لم يدم طويلا. قرية المفتاحة في أبها كانت مؤثرة جدا على فناني منطقة عسير وتحديدا مدينة أبها، وخرج من تلك القرية الثقافية عددا مميزا من الفنانين الرائعين. المهندس محمد سعيد فارسي رحمه الله كان له دورا إيجابي في هذا الجانب على مستوى مدينة جدة.

أما الاهتمام الرسمي والمؤسسي بالفنون فقد ظل محدودا، إلى أن تم إنشاء مسك الفنون. ويكفي أن نعبر عن ذلك التجاهل وعدم الاهتمام بعبارة لوكيل سابق لوزارة الثقافة والإعلام، حيث قال لمجموعة من الفنانين (أنتم زوبعة في فنجان، من يبتعد عنكم لا يسمع عنكم شيء أبدا)، وقد صدق. وأظن المقولة صمدت، إلى أن صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الأخيرة التي وجهت نظر المملكة كلها للفنون. 
الأمل كبير بعد ذلك القرار، أن تجد الفنون مكانها الذي تستحقه. أولا من خلال رفع كفاءة تدريسها في التعليم بتنمية مهارات المعلمين، وتطوير المناهج، ودعم المدارس بالوسائل اللازمة للتدريس. 

وفي جانب الاستثمار، تأتي المتاحف بكافة أنواعها، في مقدمة المجالات التي تدعم الفنون وتعمق أثرها وتصنع ثقافة فنية عميقة، كما هو الحال في المتاحف العالمية. كما أنها تعطي الفن قيمة اقتصادية تجعل للاستثمار فيه عوائد مجزية. ومن خلال المعاهد المتخصصة المحترفة، وصالات العرض المميزة التي تعطي الفنان قيمته التي يستحقها، وتشاركه النجاح، لا تستغله.

الأعمال الفنية العالمية ملاذ آمن للاستثمارات. فهي مهما كانت الاحداث العالمية لا تحافظ على قيمتها فقط، بل وتزداد بمرور الوقت. لذلك تلجأ لها الثروات بدلا عن الذهب أو ملاذات أخرى قد تتأثر بالأحداث. وأعمال بعض الفنانين السعوديين تمتلك تلك القيمة العالية للحفاظ على الثروة. 

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

حمد الشايع مقالة رائعه من كاتب رائع. خلال السنوات الاخيره اثبت فشل اي...
سلطان الحزيمي سوالي للكاتب عندنا قال السعوديين يدفعون الضريبه في الدول...
صالح المحمود وررد في مقال هل تربح شركات الطيران للكاتب عبدالرحمن حمد...
ابو البراء اعتقد بأنه وعلى الرغم من نجاحه على المستوى العملي ولكن...
Ahmad المبرر الثاني هو أكثر شيء انا اعاني منه وهو ضغط العمل ..

الفيديو