الاثنين 08 ربيع الثاني 1442 - 23 نوفمبر 2020 - 02 القوس 1399

تاريخ النقل الجوي يعيد نفسه

عبدالرحمن بن حمد الفهد

في مرحلة ما قبل تحرير أسعار تذاكر السفر وقيود التشغيل في 1978م، كان السفر جواً حكراً على النُخب والقادرين على تحمل قيمة التذاكر مرتفعة القيمة، وعاشت شركات الطيران مرحلة ازدهار وتحقيق أرباح حقيقية مستفيدة من تنظيم الحكومة الأمريكية المباشر للصناعة وتوزيع  قطاعات السفر بين الشركات ودعم غير المربح منها بما يصل لـ 800 دولار عن كل مقعد، واشرفت الإدارات الحكومية المختصة على جداول الرحلات وقوائم الأسعار عن قرب للمحافظة على مصالح ومناطق امتياز المشغلين الأمريكيين، ليبلغ سعر التذكرة من نيويورك إلى لوس أنجلس مرجعاً 1400 دولاراً أمريكياً.

وبعد تحرير الحكومة الأمريكية لأسواق النقل الجوي، سرعان ما هوت أسعار التذاكر 40% وبالتالي تزايدت أعداد المسافرين وأصبح السفر جواً ممكناً للجميع، إلا أن تحرير الأسعار جاء بمشاكل مختلفة عانت منها الشركات والركاب على حد سواء، حين ازدحمت المطارات وارتفعت أعداد الرحلات بعد دخول لاعبين جدد وتزايد تأخير وصول وإقلاع الطائرات بسبب ازدحام الخانات الزمنية في المطارات، وأثر ذلك على مستوى الخدمات في الصالات وفي الطائرات.

وسرعان ما ظهر تأثير رفع الحماية على شركات كانت تُعتبر أيقونات الصناعة، فمع تزايد المنافسة وتدني العائد من الرحلات، خرجت شركات كُبرى كخطوط Eastern التي لم تستطع التكيف السريع مع الوضع ومنافسة اللاعبين الجدد.

وأشرقت مرحلة جديدة لنمو شركات الطيران الاقتصادي، وعلى رأسها شركة ساوث ويست التي حققت أرباح سنوية ولـ 41 عاماً بدون إنقطاع، متغلبة على أساطين الصناعة التي عصفت بهم خلافات النقابات وتقادم الأساطيل وإهمال التوسع في أسواق جديدة خارج القارة لتنتهي شركات عظيمة مثل خطوط عبر العالم TWA وبان آم. بينما اختارت شركات أخرى الإندماج بأخرى تتمتع بأفضلية في سوق وصل التنافس فيه إلى حدوده القصوى حيث اندمجت خطوط النورث ويست مع الدلتا واليو إس أيرلاينز مع الأمريكان والكونتيننتال مع اليونايتد مؤذنة بظهور كيانات عملاقة جديدة.

وفي 1990م بدأ نموذج الطيران الاقتصادي في أوروبا وفي العقد الأول من الألفية الجديدة تأسست شركاته في آسيا، شركات تعتمد على نموذج تشغيل مختلف كلياً عن الشركات التقليدية التي تركز على الرحلات الطويلة وعلى الطائرات العريضة وعلى الخدمة الجوية المكلفة، إلى أن حلت باقعة كورونا لتعيد، فيما يبدو، تشكيل خطط عمل النموذجين، وليظهر دور الحكومات في تحديد مصير الشركات من جديد بعد الإغلاق الكامل للحدود، ثم الجزئي وما تبع ذلك من قيود على أعداد المقاعد المعروضة للبيع وعلى الخدمات المقدمة على الطائرات، وقدمت الحكومات عبر العالم معونات قدرت بـ 123 مليار دولار على هيئة قروض وتخفيضات ضريبية، منها 50 مليار دولار للناقلات الأمريكية مشروطة بعدم إنهاء خدمات الموظفين وباستمرار الطيران للوجهات المجدولة قبل الجائحة وبحق الحكومة في ملكية أسهم في الشركات المستفيدة.

ويرى محللون أن استمرار إغلاق الحدود بين الدول، والاحترازات التي تحد من بيع كامل حمولة الطائرات سيعجل بإفلاس العديد منها، وما قامت به الحكومة الايطالية من إعادة تأميم شركة الطيران الوطنية (اليتاليا) الا مؤشر على تفاقم الوضع، خصوصاً وأن هذه الشركة، وعلى مدار تاريخها، عانت من مشاكل مالية وتشغيلية يعود السبب الرئيس فيها لنقابات عمالها.

فهل تعود شركات الطيران إلى مرحلة ما قبل تحريرها من القيود وتتدخل الدول لحماية ناقلاتها الوطنية عن طريق الدعم المباشر والحماية من المنافسة مؤذنة بانتهاء عقود من حريات النقل والأجواء المفتوحة وسيطرة قوى السوق على هذا القطاع الحساس والهام للاقتصاد العالمي؟

متخصص في شؤون الطيران المدني [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو