الأحد 10 صفر 1442 - 27 سبتمبر 2020 - 05 الميزان 1399

أدوات تقييم سياسات حوكمة القطاع العام

د. نجلاء الحقيل

غالبا ما نقرأ مواضيع مختلفة تتناول الحوكمة من حيث معناها وفائدتها و آثارها وأدوات تطبيقها مثل تشريع القوانين و الرقابة و المسائلة والشفافية وغيرها من أدوات الحوكمة. وبالفعل، الكثير من المؤسسات لديها محاولات لتطبيق تلك الأدوات، منها من ينجح في ذلك ومنها من لم تصل الى ما كانت تطمح اليه سواءً على صعيد القطاع الخاص و القطاع العام. 

لكن عند الحديث عن حوكمة القطاع العام، فيكون الأمر أكثر تعقيداً من حيث نجاح إستراتيجية الحوكمة وذلك لتعدد الجهات ذات العلاقة بهذا القطاع، بالاضافة الى انعدام وجود المنافسة التي تفرض على المؤسسة تحسين أدائها ومخرجاتها. لذلك، وفقا لرؤية ٢٠٣٠، تم انشاء اقسام ولجان داخل الجهات الحكومية للعمل على مشروع حوكمتها، وهذه تعتبر اولى خطوات الالف ميل. ولكن هذه الاستراتيجيات تحتاج الى تقييم سواء بعد صياغتها  أو اثناء تطبيقها او بعد تطبيقها. لذلك، و وفقا لنظرية التغير، لابد من طرح أسئلة جوهرية لحوكمة فعالة. مثل، هل فعلا مشاريع الحوكمة هذه ستؤتي نتائجها المرجوة؟ هل اللوائح التي يتم صياغتها تساعد على حوكمة الجهة الحكومية حوكمة رشيدة؟ واذا كانت فعلا هذه اللوائح تعمل بشكل فاعل من الناحية التشريعية والادارية، هل هذه السياسة تساهم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من دون تسبيب استنزاف لموارد الجهة الحكومية؟ ما هي التحديات التي تواجه عملية التطبيق؟ وكيف يكون تطبيق الاستراتيجية فعال وناجح؟ هذه بعض من الاسئلة المهمة التي على أساسها تقوم عملية تقييم سياسة و استراتيجية الحوكمة للجهة الحكومية. وبناء على ذلك، هناك أدوات يمكن الاستعانة بها لقياس مدى كفاءة الاستراتيجية.

اولى هذه الادوات هي قياس فعالية سياسة الحوكمة على الجهة الحكومية. بمعنى اخر، هل هذه السياسة استهدفت المحاور الاساسية التي تسعى الجهة الحكومية لتحسينها. على سبيل المثال رفع مستوى الرقابة و المسائلة على جميع العاملين في المؤسسة بغض النظر عن مراكزهم الوظيفية. او استحداث قاعدة بيانات ترفع معدل الشفافية على النطاق العام. اذا كانت فعلا سياسة الحوكمة سلطت الضوء لمعالجة معوقات الحوكمة في الجهة الحكومية، فهل يتم تطبيقها بشكل فاعل، وماهي آثارها؟ هل فعلا ارتفع معدل نزاهة الموظفين والتزامهم بأداء مهام عملهم أم لا؟ هل اجهزة الرقابة الأخرى تعاني من صعوبات للحصول على معلومات تخص هذه الجهة أم لا؟ وبالتالي قياس معدل الفعالية يعتمد على الأهداف المرجوة ومدى علاقتها بتحسين أداء الجهة الحكومية و تطبيقها والآثار المترتبة على ذلك التطبيق. لكن المشكلة هنا انه عند عرض قياس الفعالية بهذا الشكل، قد يتبادر الى الذهن بأنها عملية سهلة، ولكنها عكس ذلك لان كثير من سياسات الحوكمة تضع اهداف، ولكنها قد تكون أهداف غير واقعية او أهداف مرسومة على جدول زمني لا يتوافق مع حجمها او لا تتوافق مع البيئة المؤسسية المطبقة فيها، وبالتالي تكون هذه الاهداف غير واضحة او بعبارة اخرى "غامضة".
الاداة الثانية هي كفاءة الاستراتيجية. في حين ان الفعالية تركز على الأهداف، فالكفاءة تركز تكلفة تطبيق هذه الاستراتيجية لتحقيق الاهداف. بمعنى انه يجب النظر الى عيوب الاستراتيجية من جميع النواحي سواء كانت اقتصادية، تنموية، ادارية، تشريعية، اجتماعية. فليس كل استراتيجية فعالة وتحقق الأهداف المخطط لها لا تسبب خسارة بشتى الاشكال. فعلى سبيل المثال، سن تشريعات ولوائح وانظمة متعددة قد تخلق مشكلة البيروقراطية مما يؤثر على سير المعاملات. مثال اخر، نرى كثيرا في القطاع العام ظاهرة تشكيل لجان بخصوص اي موضوع يواجه الجهة الحكومية، قد يكون لهذا الإجراء ميزة من ناحية تقليل مشكلة المحاباة وخدمة مصالح شخصية، لكنها من جهة اخرى تؤثر على سير العمل اذا كانت جميع اجراءات الجهة الحكومية تحتاج للجان من اجل انجاز اعمالها. وقد تخلق ايضا مشكلة اخرى مثل مشكلة تضارب المصالح. وهذه آثار احتمالية اكتشافها ضئيلة عند رسم الاستراتيجة وتعيين الأهداف، في حين تظهر عيوبها عند تطبيقها.لذلك استراتيجية حوكمة الجهات العامة تحتاج إلى استراتيجية أخرى لتتعامل مع ما سيترتب على تحقيق الأهداف الأساسية. لذلك، فالتقييم المستمر لتنفيذ أهداف حوكمة الجهة الحكومية امر مهم جدا و حتمي لمنع فشل بناء مؤسسة حكومية ذات نظام اداري وقانوني فعال ومنتج.

ثالث أداة هي العدالة في توزيع الخدمات. القطاع العام كما هو معروف هو قطاع تنموي خدمي، بمعني انه  يساهم في عملية التنمية وتأسيس وصيانة البنية التحتية، كما انه يقدم خدمات مختلفة باختلاف طبيعة الجهة الحكومية لابناء الشعب. وكما نعلم، الهدف الأساسي من عملية الحوكمة هو تحسين الاداء للمؤسسة العامة من الناحية الادارية والانتاجية والتنموية والخدمية. وبالتالي لابد ان تهدف استراتيجية حوكمة الجهة الحكومية الى توزيع خدمات المؤسسة على المنتفعين منها بشكل يضمن مبدأ تكافؤ الفرص كأن يكون التوظيف بناء على إعلان مسابقة وظيفية ويكون التعيين للأكفأ والأجدر، ان تُقدم الخدمات الصحية للمحتاجين لها بنفس الجودة من دون الالتفات الى مسألة تحقيق المصالح الشخصية او الواسطة ...الخ. كذلك أن تستهدف الاستراتيجية صرف الميزانية المخصصة للجهة الحكومية للاوجه اللازمة من دون استنزافها لمشاريع تعود بفائدة قليلة على الجهة الحكومية والأطراف ذات العلاقة.

من ضمن الأدوات ايضاً، هو واقعية تنفيذ أهداف الاستراتيجية وهل الجدول الزمني لتنفيذها كافي ام ان تحقيق الأهداف يحتاج لمراحل زمنية وعملية من اجل الوصول للهدف الأساسي. كذلك من ضمن الأدوات هو قياس مدى شرعية وقانونية هذه الأهداف، وهل تحتاج الى تشريعات وقوانين من قبل المشرع او لوائح تسنها الجهة الحكومية.

إذاً، الحوكمة هي ليست فقط البحث عن أدوات تساعد على تحسين أداء المؤسسة وتحسين مستوى إنتاجيتها ومخرجاتها ورفع معدل الرقابة والشفافية بعيدا عن الفساد و التجاوزات القانونية والتلاعب والاستنزاف لموارد المؤسسة، ولكن الحوكمة ايضاً تشمل إيجاد وسائل ومعايير وأدوات لتقييم فعالية ادواتها و استراتيجيات تطبيقها.
 

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو