الثلاثاء 11 ربيع الأول 1442 - 27 أكتوبر 2020 - 05 العقرب 1399

مفاوضات الطاقة ومصالح المملكة في الـ G20

نظمي محمد علي الخميس

أصبحت قمة العشرين المنتدى الأكثر تأثيرا على مجمل القضايا العالمية ومنها قضايا الطاقة المتعددة وكذلك معضلة التغير المناخي. تأتي أهمية مناقشة مجموعة العشرين لقضايا الطاقة والتغير بربطها بالإطار الاقتصادي، وهو على خلاف مؤتمرات التغير المناخي والتي تسعى بشكل حثيث لفصلها عن النمو والتنمية الاقتصاديين دون التثبت التام من تأثرها بهذا الفصل. لحسن الحظ، فإن تأثير هذه المؤتمرات يعد ضعيفا على الساحة العالمية، لذلك فإن مجموعة العشرين تعد المنتدى الأهم للحفاظ على مصالح المملكة كدولة مصدرة للمواد الهيدروكربونية.  
تقاطع وتضارب مصالح المملكة مع التوجه العام لمجموعة العشرين في مناقشة قضايا الطاقة
تتقاطع مصالح المملكة والتوجه العام لمجموعة العشرين في الحفاظ على توازن أسواق الطاقة، وخصوصا النفط، وذلك في تقليل مخاطر عدم تكافؤ العرض مع الطلب، وتكوين تذبذب سعري ذو مستوى عال، وكذلك الوصول بالأسعار لمستوى يضر بمصالح إما المستهلكين أو المنتجين على المدى القصير وبالتالي كليهما على المدى البعيد. فالسعر العادل والمتوازن هو مصلحة مشتركة لا بد من التشديد عليها. ففي هذا المجال، لا بد من التنويه بموقف المملكة في قيادة أوبك بلس نحو مساعدة أسواق النفط العالمية على اكتشاف السعر العادل. حيث يعزز هذا الموقف الجيوسياسي للمملكة وثقلها على المسرح العالمي.

لا تتفق تماما مصالح المملكة مع التوجه العام لمجموعة العشرين في حل معضلة التغير المناخي. فهنالك أصوات مؤثرة ومهمة تنادي بفصل النمو والتنمية الاقتصاديين عن استهلاك الوقود الهيدروكربوني، بدعوى تلازم استهلاكه بانبعاثات الغازات الدفيئة. وهي ترى في التحفيز الأخضر، على إثر التحفيز الاقتصادي من تأثير جائحة كورونا، وسيلة فعالة للفصل وذلك بدعم التكنولوجيات الخضراء، الألواح الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات الكهربائية، وكذلك دعم الابتكار التكنولوجي لتقليل تكلفتها. تمثل هذه السياسات تحولا موجها بعيدا عن قوى السوق الاساسية، وقد لا يكون تحول الطاقة المرجو منها مستداما، كما أن لها تأثير سلبي مع مصالح الدول المصدرة للسلع الهيدروكربونية على المدى البعيد. 

بناء سياسة مفاوضات بناءة وفعالة 
إن نقط البداية لبناء سياسة مفاوضات بناءة وفعالة هو توافق سياسة المملكة في مجال الطاقة والتوجه العام لمجموعة العشرين في استدامة تحول الطاقة العالمي، بحيث لا يؤثر التحول باي حال على النمو والتنمية الاقتصاديين. وهنا لا بد من التركيز على محورين مترابطين وهما: عدم استيفاء التكنولوجيات الخضراء بشروط الاستدامة، وأهمية طرح المملكة لمبادرة "الاقتصاد الدائري للكربون" لمعالجة انبعاثات غازات الدفيئة على المستوى العالمي. 

استطاعت التكنولوجيات الخضراء الدخول في مرحلة التكلفة المكافئة مع الوقود الهيدروكربوني كنتيجة لسياسات الدعم، والاستثمار الموجه، وضريبة الكربون، الا انها لن تستطيع أحداث تحولا مستداما في مجال الطاقة، بالإحلال التام للوقود الهيدروكربوني لجملة من الأسباب. ففي مجال توليد الكهرباء، لن تستطيع الطاقة المتجددة المتغيرة، الألواح الشمسية وطاقة الرياح، رفع مساهمتها في طاقة التوليد بأكثر مما نسبته 40-35% دون تطوير تكنولوجيات خزن طاقة اقتصادية. لذلك فإن تلازمها مع الوقود الهيدروكربوني أمر مفروغ منه. وفي هذا الإطار، لن تكون السيارات التي تعمل بالبطاريات الكهربائية ذات انبعاثات صفرية. وهنا لا بد من التشديد على إضافة تكلفة تحديث الشبكات الكهربائية لتكون قادرة على استيعاب الطاقة المتجددة المتغيرة، تشغيليا. كما أن سلاسل الإمداد لكثير من المعادن الداخلة في صناعتها وكذلك البطاريات الكهربائية، لتكون قادرة لتلبية الطلب من حيث وجودها الجيولوجي أو معدل استخراجها الأقصى للوصول للإحلال الكامل. فمع صعوبة تدوير كثير من المعادن الحرجة الداخلة في صناعتها، فهي بذلك غير قادرة أن تكون تكوين نموذج اعمال مستدام وحتى بنسب اقل من الاحلال. أضف لذلك، عدم قدرة صناعة التعدين الحيوية للتكنولوجيات الخضراء بأن تكون صديقة للبيئة في مناحي تلوث المياه والهواء في سلاسل إمدادها.

يُنظر إلى الاقتصاد الدائري على أنه نقطة الانطلاق الأكثر فاعلية وواقعية نحو الاستدامة. حيث تحتاج قوى السوق إلى قيادة تطور نقلة نوعية في نموذج أعمال استخدام الوقود الهيدروكربوني عن طريق الابتكار التكنولوجي للحد من استنزاف الموارد وتحسين الظروف البيئة. يجب أن يكون إطار الاقتصاد الدائري. إن تحقيق هدف الحياد الصفري للانبعاثات في عام 2050 سيؤدي إلى تحول عميق في سلاسل القيمة عبر الاقتصاد. لا تقوض تبني الاقتصاد الدائري بالضرورة حقوق الأجيال الحالية أو المستقبلية. فيعزز مفهوم الاقتصاد الدائري النمو الاقتصادي وتوفير فرص التوظيف عبر الأجيال. فهو يسمح بالتزامن بين النمو الاقتصادي مع تحسين استغلال الموارد وجعل أنماط الإنتاج صديقة للبيئة. 

سيعزز الاقتصاد الدائري القدرة التنافسية للاقتصاد من خلال حماية الأعمال ضد ندرة الموارد وتقلب الأسعار. إن هدف الاقتصاد الدائري للكربون هو استعادة دورة الكربون الطبيعية إلى مستوى توازن الكربون بين سطح الأرض وغلافه الجوي بحيث يكون التوازن الديناميكي القائم مستدام عن طريق حزمة التقنيات التالية: تكنولوجيات التقاط استخدام واستخدام ثاني أكسيد الكربون، وكذلك الاشتقاق المباشر لكل من الهيدروجين والبتروكيماويات من النفط.

في الاجتماع القادم لوزراء طاقة مجموع العشرين في هذا الشهر، أقترح تبني نهج شامل الاستدامة والاقتصاد الدائري من خلال إعادة التفكير في كل نماذج العمل لكل من الوقود الهيدروكربوني والتكنولوجيات الخضراء بشكل غير متحيز ومنصف. إن جملة السياسات الحالية غير المستجيبة لأساسيات السوق والمفضلة للتكنولوجيات الخضراء ستؤدي حتما الى تكوين الفقاعة الخضراء، ذات الأثر الخطير على الاقتصاد العالمي.

كاتب متخصص في شؤون الطاقة والتغير المناخي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

سالم زيد العديلي أنا أشكر الدكتور علي طرحه للموضوع. وهناك مشكلتان في الموضع:...
هشام بن أمين خياط بدأ اهتمام المملكة بالطاقة المتجددة والبديلة منذ عقود....
عادل عبدالله الأنصاري للاسف هذا ماحصل معي بحجة اعادة الهيكلة بعد خدمة أكثر من...
خالد واضح أن الكاتب بعيد عن واقع البنوك مقال مليء بالمفاهيم...
محمد هيهات كم شكينا على المشغلين والتصعيد ما ان يصل الى الهيئة...

الفيديو