الاثنين 08 ربيع الثاني 1442 - 23 نوفمبر 2020 - 02 القوس 1399

بوينج وكبوة فرسها

عبدالرحمن بن حمد الفهد

بعد تواصل بوينج مع ثلاث شركات طيران عالمية لوقف تشغيل ثمان طائرات من طراز 787 دريملانير إثر ظهور ملاحظات على جودة تصنيع الجزء الخلفي من هيكل الطائرة الاسطواني وعدم مطابقته لمعايير جودة الإنتاج المعتمدة في الشركة حسب ما جاء في الخبر، ظهرت في الاسبوع الماضي مشكلة أخرى في نفس الطراز تتعلق بآلية تثبيت أجنحة التوازن في ذيل الطائرة، وهذا يعني الحاجة للكشف على قرابة 800 طائرة في الخدمة حالياً.

وعلى مقولة أن المصائب لا تأتي فرادى، فسلسلة مشاكل بوينج التصنيعية تفاقمت من بعد سقوط طائرتيّ 737-ماكس بسبب خلل في صناعة الطائرة، فكيف بدأت كرة الثلج؟

في عام 2010 أعلنت شركة أيرباص عن مشروع طائرتها أ320- نيو، وهي طائرة محسّنة من الطراز أ320 والفارق بينهما في خيارات المحرك، مما يعني الاقتصاد في الوقود. فسارعت بوينج للسباق معلنة عن طراز حديث من أفضل ما أنتجته وسوقته الشركة من طائرات البوينج 737 بأجيالها المتعددة، واختارت (ماكس) تعريفاً للطراز الجديد الذي دخل الخدمة في عام 2017م، لمنافسة أيرباص في سوق الرحلات القصيرة والمتوسطة على طائرات الممر الواحد.

ويبدو أن الشركة ولكي توفر في الوقت والموارد، اختارت ان تبني الطائرة الجديدة على هيكل الطراز السابق، ومع خيارات المحركات الجديدة، التي كانت ستوفر 15٪؜ في استهلاك الوقود، لجأ مهندسو الشركة إلى فكرة رفع المحرك فوق مستوى الجناح وتحريكه للأمام حيث تتميز البوينج 737 بانخفاضها وقربها من الأرض مما يعجل في عمليات صيانة المحركات وعمليات الشحن والتفريغ وبالتالي سرعة تجهيز الطائرة للرحلات. حتى أن شركة ساوث ويست الأمريكية الاقتصادية وهي من أكبر مشغلي البوينج 737 بأجيالها المتعددة وبأكثر من 700 طائرة، رأت في القادم الجديد (جوهرة العِقد).

وبسبب تغير ديناميكية الطائرة وتغيير مركز ثقلها مع المحركات الجديدة اضطرت بوينج لتطوير نظام حاسوبي بالتعاقد مع شركة (مبتدئة ومبرمجين حديثي التخرج) كما جاء في تقارير صحفية أمريكية، وهذا النظام يتدخل في حال تغير مستوى ارتفاع أو انخفاض مقدمة الطائرة لتعديله آلياً متجاوزاً الطيار، وهو نظام (إم كاس). ولتكتمل عناصر الكارثة، لم يأت ذِكر لهذا النظام في دليل الطائرة ولا في تدريب الطيارين بل أن بعض طياري الطراز قال بعدم معرفته بوجود هذا النظام أصلاً. وهذا من أجل أن يكون دخول الطائرة الجديدة للخدمة غير مكلف لشركات الطيران في تدريب طياريها.

في أكتوبر 2018 أقلعت طائرة لايون أير الإندونيسية ليبدأ صراع بين قائدها والنظام الآلي الذي وصلته بيانات خاطئة من مقياس زاوية ارتفاع مقدمة الطائرة وبدأ في دفع مقدمتها للأسفل بينما قائدها كان يحاول رفع المقدمة وسقطت الطائرة وتحطمت وقُتل في الحادث 189 نفس كانت على متنها، وللشركة طلبية من 201 طائرة من هذا الطراز. وجاء في تقرير السلطات الإندونيسية عن أسباب الحادث: خلل في التصميم، ومشاكل صيانة، وارتباك الطيار، وقد يكون ارتباك الطيار أنه استمات في محاولاته إيقاف نظام (إم كاس) أكثر من 24 مرّة كما جاء في التقرير. كما انتقد التقرير شركة بوينج وإدارة الطيران الفيدرالي الأمريكية لعدم أخذهم باحتمالات إخفاق النظام الآلي.

وفي مارس 2019، سقطت طائرة إثيوبية من نفس الطراز ولنفس الأسباب ليقضي فيها 157 راكباً، من بينهم السعودي سعد بن خلف المطيري رحمه الله. وتقول التقارير أن قائد الطائرة استطاع إيقاف النظام الآلي الذي اختطف التحكم منه ولكن الإيقاف كان متأخراً.


وبعد الحادث سارعت الدول بمنع هبوط الطراز في مطاراتها أو عبور اجوائها، وعلى رأسها الصين، وتبعها الاتحاد الأوروبي وأوقفت الشركات المشغلة للطراز رحلاتها، إلى أن أعلن الرئيس ترمب ايقاف الطائرة عن الطيران بعد تأخر إدارة الطيران الفيدرالي وبوينج في ذلك. وشُكلت لجنة تقصي معلومات حكومية حققت في إجراءات الترخيص للطائرة وما قيل أن الشركة حصلت على تفويض من إدارة الطيران الفيدرالي للترخيص لأنظمتها بنفسها.

وقد ظهرت في الطائرة عيوب مصنعية أخرى، حيث تم اكتشاف خطأ في تمديدات كيابل التحكم، ولا تزال الشركة تحاول الحصول على ثقة المشرّعين للسماح بعودتها للخدمة مجدداً، فبعد اجتيازها لاختبارات ادارة الطيران الأمريكية، قامت إدارة الطيران الكندية بإجراء اختبارات مماثلة في الأجواء الأمريكية لأن الحظر لايزال سارياً على طيرانها في الأجواء الكندية، والآن تُجري إدارة سلامة الطيران الأوروبية اختباراتها على الطائرة في غرب أمريكا.

وقد كلّفت هذه الكبوة الفادحة، اضافة الي التكلفة التي لا تعوض في الارواح، كلّفت بوينج في سمعتها وسمعه منتجاتها وستعاني طويلاً مع القضايا المالية المرفوعة ضدها من عوائل الضحايا والطيارين والشركات التي تضررت من ايقاف التشغيل.

وفي رأيي أن بوينج ستبقى نبراس الصناعة، وإن كانت ستدفع ثمناً باهضاً لاستعادة الثقة خصوصاً ثقة المسافرين وقبلهم ثقة المشرعين.

متخصص في شؤون الطيران المدني [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو