السبت 15 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020 - 09 العقرب 1399

خبرة المنظمة لا علاقة لها بسنة التأسيس!

نادية خالد العامودي

تختلف المنظمات في عكس خبرتها أمام العامة، من خلال التعامل مع عملاءها أو شركاءها أو الموردين، تجد نفسك أحيانا أمام منشأة تتلافى أخطاءها ولا تكررها حتى أنها تنتقل بك إلى مستويات متقدمة من التعامل المثمر والناجح، وفي بعض الأحيان تجد أنك تستنكر أبسط التصرفات التي تسبب اخطاءً في تنفيذ الأعمال تعكس جهل المنظمة على الرغم من خبرتها الطويلة على الأوراق وفقاً لسنة التأسيس، لماذا هذا التباين؟ هل يعود ذلك إلى قائد المنظمة فقط ، توجهاته ورؤيته؟ أم أن هناك سمات وملامح وأدوار أساسية تتميز بها المنظمات المتعلمة. هذا ما سأتناوله في هذا المقال. 

المنشأة المتعلمة، هي التي تحتفظ بسنوات المعرفة والخبرة التي مرت على مكاتبها وبين معاملاتها ومن خلال محاضر إجتماعاتها، لا أقصد بذلك أبداً ان تملك المنظمة نظام أرشفة إلكتروني قوي، وإن كان هذا ضرورياً، إلا أن ما أشير له هنا هو المعارف المتراكمة وليس الوثائق، الخبرات والتجارب وليس عروض التقديم، التعلم المستمر وليس دورات التدريب. 

تتسم المنظمة  التي تتمكن من إدارة معارفها وتعزيز عمليتها التعليمية بأن تكون مرنة قادرة على الإنتقال من المشكلة إلى الحل أو الحلول برشاقة، تتسم بأنها منظمة تتحول من مستوى معرفي إلى آخر بتوجه مستدام وسليم، لا تسعى للتغير لهدف التغير إنما تتحول في نشاطها وتتميز كما يحدث لليرقة التي تطير كفراشة بعد تجربة الشرنقة، تتحول كلها، بكل إداراتها وأقسامها، لا يقتصر تطورها على القسم الذي يواجه العملاء أو على الإدارة التي تدير الأصول وتحرك الإستثمار مثلاً دون غيرها من الأقسام. تطير كل المنشأة كفراشة تحلق برشاقة بكل أجزاءها. و لنعرف كيف يمكن لهذه المنشآت أن تحقق هذه الرشاقة في التعلم والإستفادة من عقول العاملين فيها أكثر من نظام أرشفة المعاملات، سأدرج خمس أنشطة أساسية تحقق هذا الهدف، مهما كان فريق عمل هذه المنظمة كبيراً أو صغيراً.

أولاً : تشجيع جلسات الدروس المستفادة، أن يجتمع فريق العمل بعد الإنتهاء من مشروع محدد لمناقشة الدروس المستفادة من النجاح أو الفشل، أن يعمل المشاركون في التنفيذ بكافة مستوياتهم الإدارية على تحليل العمل المنجز، ومشاركة التجارب واستعراض طرق العمل المستخدمة، والتي يعتقد الفريق أنها هي السبب في النجاح أو في الفشل. ويخرج الفريق بوثيقة تحدد أهم النقاط التي يجب ان لايتم إغفالها للوصول لنجاح لأي مشروع مشابه، وأهم جوانب التحسين أيضاً التي تساعد في عدم تكرار الفشل. 

ثانياً: خلق الأمان الوظيفي، يجب أن لا ترتبط هذه الرحلة المعرفية بتقييم العاملين في المنشاة أبداً، وعلى القائد أن يعزز الأمان الوظيفي للفريق بنسب عالية جداً، فيؤكد بإستمرار أن تبادل المعارف ومناقشة الأخطاء بعيد كل البعد عن الشخصنة وأن لا علاقة لأي خطأ بقدرات العاملين، ويؤكد أن مشاركتهم بمناقشة أخطاء العمل هو لغرض تلافيها مستقبلاً وليس لمحاسبة أو لوم أي شخص، بيئة عمل المنشآت المتعلمة تعزز بإيجابية عالية مناقشة الأخطاء وليس المخطئين، تعزز التعلم والخروج بحلول مبتكرة لمعالجة التحديات أكثر من التركيز على المتسببين. 

ثالثاً: نشر ثقافة التجريب (تكرار التجربة أكثر من مرة)، التعلم من التجربة، أن يترك القائد دائماً مجال التجريب للعاملين قبل إتخاذ قرار إعتماد الفكرة أو المشروع، أن لا يواجه الفكرة برأيه الشخصي أو خبرته، ويطلب من مقدمها أن يقدم نتائج تجربتها، على عينة من العملاء أو من خلال تخيل تنفيذها كاملة بكل جوانبها وأثر ذلك على المنشاة وعملاءها، على أن يناقش الفريق نتائج التجربة للمشاركة في صنع القرار اللازم.

رابعاً: خلق ثقافة الفضول، تدار الإجتماعات بالأسئلة أكثر من التوجيه، يناقش القائد فريق العمل دائماً من خلال طرح الأسئلة التي تثير فضولهم وتشجعهم على السعي لاستكمال جوانب صناعة القرار ، ويستخدم دائماَ لماذا؟ وكيف ؟ ومتى ؟ وما هو رأيك؟ قبل اتخاذ القرار النهائي. 

خامساً: مشاركة منظمة أخرى في رحلة المعرفة، من أكثر الأدوات جدوى في تعزيز ثقافة المعرفة هي أن تشارك جهة أخرى–مهما كان مجال عملها أو نشاطها بعيداً- في  خلق فعاليات معرفية بين فريقي العمل، يمكن أن يكون ذلك من خلال لقاءات دورية لمناقشة أحدث أدوات الإدارة أو مواضيع الاقتصاد ذات العلاقة ، تعقد بصفة غير رسمية وتهدف بالأساس لزيادة الحصيلة المعرفية لدى فرق العمل في الجهتين. 

خلاصة القول، لا تقاس معرفة وخبرة المنظمات بعمرها وفق سنة التأسيس، إنما بالخبرات والمعارف المتراكمة لدى عقول العاملين فيها. وأهم معزز لتنمية هذه المعارف هو بيئة العمل التي تتقبل الخطأ وتعتبره فرصة معرفية جديدة لكل العاملين. والنتيجة، منشأة تتسم بالإيجابية والتقبل والتعاون، تجد نفسك دائماً سعيداً بالتعامل مع خدماتهم أو منتجاتهم أو حتى عندما تشارك في أحد الاجتماعات بوجود فريق عملهم.
 

متخصصة في تطوير الأعمال والإدارة، مهتمة بشؤون الاقتصاد والتنمية الاجتماعية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو