الأحد 11 جمادى الثانية 1442 - 24 يناير 2021 - 04 الدلو 1399

الأسهم الممتازة .. دروع حرب الاستحواذ

د. يحيى الجدران

يمكن أن تَجِدَ شركة المساهمة نفسها بحاجةٍ إلى زيادة رأس مالها، ونظراً لوجود منافسين كُثُرٍ على سيولة الجمهور من المساهمين، تُصبِحُ الشركة أمام خيار إصدار أسهمٍ ممتازةٍ.

الأسهم الممتازة هي ببساطة أسهم تتمتَّع بكامل خصائص الأسهم العادية ولكنَّها تحظى بميزةٍ تَجعَلُ منها تستحقُّ وصف الممتازة، حيث يمكن أن تَمنَحَ هذه الأسهم نسبة أرباحٍ أكبر من نسبة الأسهم العادية، أو أن تَمنَحَ أصواتٍ أكثر في الجمعية العامة للشركة.

وفي حالة تعرُّض شركة المساهمة للاستحواذ، فإنَّ المستحوذ سيُحاول الاتفاق مع مجلس إدارة الشركة، وإذا فشل في التوصل إلى اتفاق، فإنَّه قد يقوم بالاستحواذ العدائي على الشركة بغرض شراء أكبر قدرٍ ممكنٍ من أسهمها حتى يُسيطر على أغلبية رأس المال، ثم يقوم بتعيين مجلس إدارةٍ جديدٍ للشركة.

عندها يُحاولُ مجلس الإدارة القائم صدَّ هذا الاستحواذ العدائي عبر كلِّ الطرق المُمكنة بغاية إفشال مقدم عرض الاستحواذ في الوصول إلى نسبة الأغلبية التي تخوُّله اختيار إدارةٍ جديدةٍ للشركة.

ومن إحدى الوسائل الدفاعية في حرب الاستحواذ هذه، هي إصدار الأسهم الممتازة مع حقوق تصويتٍ أكثر، فإذا قام مجلس الإدارة بإصدار أسهمٍ ممتازةٍ ووزَّعها على مساهمين جددٍ، فهنا سيجد مُقدِّم عرض الاستحواذ نفسه أمام كميةٍ جديدةٍ من الأسهم التي يجب عليه شراؤها حتى يحظى بالأغلبية، وسيجد الأسهم العادية التي اشتراها أقلَّ بكثيرٍ من الأسهم الممتازة من حيث حقوق التصويت التي ترفض عرض الاستحواذ.

مثل هذا السيناريو قد يؤدِّي في الواقع إلى حرمان المساهمين في الشركة من حقِّهم ببيع أسهمهم لمُقدِّم عرض الاستحواذ الذي يَعرُضُ عادةً الشراء بسعرٍ أعلى من سعر السوق، ولذلك فإنَّ الأصوات الأكثر عدداً للأسهم الممتازة قد تحرم المساهمين من حقِّهم هذا.

بناءً عليه، وبغرض طرح مناخٍ من المساواة بين المساهمين، فإنَّ نظام الشركات الحالي قد منع أصحاب الأسهم الممتازة من التصويت في الجمعيات العامة للمساهمين (م/114 من نظام الشركات الحالي النافذ)، بهذه الطريقة فإنَّ أسلوب إصدار الأسهم الممتازة للدفاع عن إدارة الشركة لن يجدي نفعاً.

بالمقابل، فإنَّ وجهة النظر الأخرى تقول بأنَّ عرض الاستحواذ قد يكون بغاية المضاربة والسيطرة والاحتكار دون نيةٍ حقيقيةٍ لتنمية أعمال الشركة والارتقاء بأدائها، الأمر الذي يجعل من واجب نظام الشركات منح مجلس إدارة الشركة المستهدفة بعض الوسائل الدفاعية ومنها إصدار الأسهم الممتازة التي يجب أن يحقَّ لها التصويت وفق امتياز عدد الأصوات الممنوح لها.

هذه هي الصورة التي تبنَّاها مشروع نظام الشركات الجديد، حيث ألغى قاعدة حرمان الأسهم الممتازة من التصويت في الجمعية العامة، وسمح في المقابل بوجود امتيازاتٍ لفئةٍ من الأسهم بخصوص التصويت (م/113 مشروع نظام الشركات الجديد).

وبالنتيجة، فإنَّ نظام الشركات قد انتقل من فكرة تغليب مصلحة عرض الاستحواذ لما فيه من مصلحة لمجموع المساهمين، إلى فكرة إتاحة المجال لإدارة الشركة حتى تُدافِعَ عن مجلس الإدارة الحالي الذي أوصل الشركة إلى نجاحٍ مُعيَّنٍ قد جعل منها مطمعاً وهدفاً للشركات الأخرى حتى تستحوذ عليها.
لكن يبدو أنَّ الانتقال نحو إتاحة التصويت من الأسهم الممتازة يحتاج إلى المزيد من القواعد التفصيلية، وبشكلٍ خاصٍّ في حالات الاستحواذ.
فلا يجوز إتاحة المجال أمام مجلس الإدارة حتى يتمسَّك بكرسي الإدارة ضارباً عرض الحائط بمصالح جمهور المساهمين الراغبين ببيع أسهمهم إلى مُقدِّم العرض بسعرٍ مرتفعٍ.

هذا الأمر يُوجِبُ وضع قواعدٍ خاصَّةٍ بإصدار الأسهم الممتازة خلال فترة تعرُّض الشركة للاستحواذ العدائي، حيث يكون عرض الشراء موجَّها من مُقدِّم العرض إلى المساهمين بشكلٍ مباشرٍ دون المرور بمجلس إدارة الشركة.

عندها يجب أن يتدخَّل النظام حتى يمنح المساهمين الحقَّ في بيع أسهمهم إلى مُقدِّم العرض دون عرقلة الاستحواذ العدائي هذا، وفي نفس الوقت أن يسمح لمجلس الإدارة بإصدار أسهمٍ ممتازةٍ في حدودٍ مُعيَّنةٍ، وأن يفتح المجال لمالِكِي هذه الأسهم بالتصويت بعددٍ أكثر من أصوات الأسهم العادية بشكلٍ مدروسٍ.
وهنا يظهر دور وزارة التجارة والصناعة بالإضافة إلى هيئة السوق المالية بغاية وضع الأولويات للمصلحة العامة في الدرجة الأولى، حيث قد يكون القطاع الاقتصادي الذي تنتمي إليه الشركة المستهدفة غير نشيطٍ، ممَّا يستتبع تشجيع عمليات الاستحواذ.

بالمقابل، قد يكون هذا القطاع ناجحاً ويحتوي على عددٍ قليلٍ من الشركات، ممَّا يستتبع منح إدارات هذه الشركات بعض الوسائل الدفاعية بغرض مواجهة أيِّ احتكارٍ محتملٍ ضمن القطاع.

أي أنَّ المسائل التفصيلية لأية قواعد تؤثِّر في نجاح أو فشل عمليات الاستحواذ بشكلٍ عامٍّ والعدائيِّ بشكلٍ خاصٍّ، يجب أن يكون وضعها ومراقبتها وتحديثها من مسؤوليات السلطة التنفيذية التي تحتكُّ بالواقع أكثر من نظام الشركات الذي يَفرِضُ قواعداً نظريةً جامدةً.

محامي و باحث في الدراسات القانونية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو