الاثنين 08 ربيع الثاني 1442 - 23 نوفمبر 2020 - 02 القوس 1399

التأثير الاقتصادي يرسم مساق ريادة جامعات الدول النامية

د. جمال عبدالرحمن العقاد

لا نعرف على وجه الدقة ماهي مجالات التعليم الجامعي الأهم للدول النامية  في المستقبل، ولكن بكل تأكيد ستكون ذات نمط ريادي قائم على البحث العلمي الجاد نحو الابتكار والإنتاج، إلا أن التحدي الحقيقي أمام هذه الدول هو أن نافذة الوقت ربما تُغلق أمامها قبل أن تعرف ما معنى كلمة "ريادة" وأين وكيف ستوظف، وقبل أن تكتشف ماذا يريد منها هذا المستقبل أن تقوم به والتحضير له من الآن - وقبل فوات الأوان - بسبب خطأ منهجيتها في العمل على هذا الملف الاستراتيجي.

كثير من الدول النامية تعمل جاهدة - هذه الأيام  - على تطوير التعليم الجامعي فيها لتأخذ الطابع الريادي، ولكن تقع في فخ عدم البدء أولا بالاستماع لوجهة نظر أهل المال والأعمال والاقتصاد، ومن ثم ترجمة رؤيتهم أثناء تطوير المنظومات الجامعية - التي تقبع معظمها في محوري الجيل الاول ذات التعليم التلقيني التقليدي، والجيل الثاني المتقدم في بعض جوانبه والمطعم بمسارات في البحث العلمي النظري أكثر من التطبيقي -  لكي تبدأ عملية تأهيل الجامعات القادرة أن تدخل فعليا في دائرة الجيل الثالث المتميز بالتعليم غير النمطي والقائم على البحث العلمي التطبيقي المرتبط بالابتكار والريادة خاصة ريادة الاعمال، وقبل أن تتجرأ وتقفز لتتبنى تجارب الجامعات العالمية الكبرى التي تنتمي إلى الجيل الرابع القائم على التعليم المتطور وبناء بنوك المعرفة الغزيرة المعتمدة على البحث العميق المرتبط بالإبداع والخيال العلمي. 

لكي تكون الجامعات ريادية ومنتمية للجيل الثالث، لا بد لبرامجها ومناهجها التعليمية أن تكون استجابة لمتطلبات السوق والمنافسة، وهذا ما حصل – على سبيل المثال - في أوروبا وامريكا الشمالية وما يحصل حاليا في الصين والهند، ولكن في كثير من الدول النامية حصل تهاون في الإنصات إلى أهل المال والأعمال والاقتصاد المحيطين بحقائق الأمور في هذا العالم المتغير دائما وبكل التحديات الجيوستراتيجية والسياسية والاقتصادية والصحية والبيئية المتجددة فيه، مما أدى إلى أن لا يهتم  كثير من القائمين على خطط تطوير التعليم الجامعي في هذه الدول على التفاعل  بجدية مع ما يحصل حولهم بسبب حالة الانفصال عن الواقع، وكنتاج لهذا التهاون، أستمرت قولبة مخرجات التعليم الجامعي في شكل قوى عاملة  متواضعة لا تفي بمتطلبات الأسواق الحقيقية والمنافسة فيها لأنها مخرجات بلا مهارات، وبمرور الوقت أثر هذا على اقتصاداتها لأنها كانت دائما بلا إنتاج ريادي، مما جعل عملية نموها وتنميتها هشة.

لكن بعد اجتياح فيروس كورونا  الشرس للعالم، حصلت حالة استيقاظ سريعة ومزعجة على حقيقة ضعف المواجهة الاقتصادية لمثل هذا الظرف القاهر بسبب القصور خاصة في البحث العلمي والمال والصناعة والإنتاج، فبدأ العديد من المسؤولين عن التعليم الجامعي في هذه الدول – بسبب حتمية الظروف وليس بسبب التخطيط المسبق - النظر فيما تحتاجه جامعاتهم من تغيير جذري حتى تكون ريادية وتفي بمتطلبات اقتصادات ومجتمعات بلدانها، إلا أنه مازال ملاحظ أن الكثير في القيادات الأكاديمية الجامعية  في أغلب الدول النامية ما زالوا يحبذون مناقشة الموضوع بعيدا عن أذرع القطاع الخاص في دولهم مما يسهل مهمتهم في وضع قالب استنساخي يطبق على كل الجامعات، وهذا لن يخدم مشاريع تطور جامعاتهم التي ستفقد عامل التنوع مما ينعكس سلبا على مستوى نجاحاتهم في تقديم مخرجات تخدم احتياجات السوق.

التأثير الاقتصادي هو من سيحدد التوجه الريادي للجامعات، لذلك أهل المال والأعمال والاقتصاد (القطاع الخاص) هم أفضل من يرسمون شكل الجامعات في هذا الصدد وتوجهاتها المستقبلية، ومن ثمّ نقل رؤيتهم لخبراء التعليم الجامعي حتى يضعوا النظرية بين مطرقة التجربة وسندان الممارسة للخروج بمنهج ريادي وواقعي في تطوير الجامعات، فتخرج من نطاقات كونها من الجيل الأول والثاني وتطرق فعليا أبواب الجيل الثالث وفي وقت قياسي، أما تحضير جامعات تنتمي إلى الجيل الرابع، فهذا موضوع آخر يفوق قدرات هذه الدول في الوقت الحالي.

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو