الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1442 - 01 ديسمبر 2020 - 10 القوس 1399

ثقافة التحليل المالي والاقتصادي وانطباع المتلقي

حسن الاحمري

قال لي احد الاصدقاء قبل عدة سنوات، وهو كاتب وخبير اقتصادي، ومدير صندوق استثماري كبير في احد البنوك السعودية، ان أسوأ قرار اتخذه هو عندما ظهر بشكل متكرر في القنوات التلفزيونية، ويحلل اداء السوق السعودي بين فترة واخرى!

موضحاً هذا الصديق العزيز، أن محلل السوق قد يصبح منبوذاً في المجتمع الاقتصادي والاعلامي، كونه لا يلبي رغبات المتلقي بشكل كامل، وقد يتم ربطه عنوةً بخسائر لا دخل له فيها، بسبب فقط انه ظهر يوماً ما على الشاشة وكان نذير شؤم لأحدهم!

وعلى الرغم من ان ما ذكرته سابقاً مضحك نوعاً ما، ولكنه للأسف حقيقي وواقعي، وذلك ليس بسبب أن المحلل اخطأ في التقدير (وهذا وارد)، ولكن لأن المتلقي في كثير من الاحيان لم يستوعب بشكل جيد ما ذكره الخبير الاقتصادي.

أدوات التحليل الاقتصادي والمالي، ودراسة النظريات وتحليلها وجمع المعلومات، هي بلا شك عملية متعبة ومزعجة، ولكنها في الوقت ذاته ممتعة لمن يجد المتعة في ذلك، ولم يتخذها مهنة له، بل هواية ورغبة في المقام الاول، ولكنها صعبة وبشكل كبير على المتلقي الغير متخصص فيها، وخاصة انه ملزم لان يستمع الى الخبراء والمحللين في القنوات المختلفة، ويقرأ مقالاتهم، عله يجد ضالته في فهم رموز الاقتصاد، والمالية، ليقوم بترتيب محفظته الاستثمارية او يتخذ قراره في الحصول على قرض استهلاكي من عدمه على سبيل المثال.

في حقيقة الأمر انه منذ بدء التركيز على الاسواق المالية في المجتمع السعودي، منذ اكثر من ١٥ عاماً وبشكل ملحوظ، ازداد الاهتمام بالقنوات الاقتصادية وبالصحافة المالية ايضا، واصبح القارئ والمشاهد ايضا اكثر وعياً مقارنة بالماضي، ولكن يبدو ان هناك ثمة خلل او فجوة بين الطرفين.

هذه الفجوة من وجهة نظري يجب ان تتم بتنازل من الطرفين، إما ان يقوم المحلل الاقتصادي او المالي بتبسيط اللغة التي يتحدث بها ويستغني عن المصطلحات العلمية البحتة ويعطي امثلة من الواقع، او أن يقوم المتلقي بزيادة قدرته على فهم المصطلحات بشكل اكبر وتوسيع مداركه والقراءة بشكل موسع ومكثف في هذا المجال.

نحن الان نعيش ازمة اقتصادية كبرى، لم تمر على العالم منذ 90 عام تقريبا، اي منذ عام الكساد الشهير 1929م ، ولكن سرعة استجابة الاسواق العالمية، وسوقنا المحلي ايضا، وكذلك معظم المؤشرات الاقتصادية، لم تحظ بالاهتمام الكافي، من قبل المتلقي تحديدا، ومن ضمنها مؤشر السوق السعودي، وكذلك نتائج بعض الشركات المنشورة مؤخراً.

فمؤشر السوق السعودي وصل الى مستويات فوق 8500 نقطة بتاريخ 22اكتوبر، في حين انه كسر حاجز الـ 6000 نقطة في منتصف شهر مارس الماضي، اي انه استطاع ان يكسب (2600 ) نقطة في 6 اشهر، وهو امر ايجابي بلا شك، وكذلك الحال بالنسبة للاسواق العالمية، اتخذت شكل (V) بوضوح خلال نفس الفترة من مارس الى اكتوبر الجاري، (شكل V في الرسم البياني يوضح انخفاضا حادا ومن ثم ارتفاعا حاداً).

اما بالنسبة للشركات فلو اتخذنا شركة سابك كمثال واقعي للتحليل المالي واثاره وانعكاساته على قرار المستثمر، نجد انها حققت خسائر تقدر ب (2.1) مليار ريال عن ال٩ اشهر من 2020م، مقابل انها ربحت 6 مليارات عن نفس الفترة 2019م ، هو خبر مزعج الى حدٍ كبير، ولكنه متوقع بسبب توقف الطلب على منتجات البتروكيماويات التي تنتجها الشركة من الاسواق العالمية وخاصة الصين، بسبب توقف الانتاج خلال ازمة كورونا.

ولكن الملاحظ ان الشركة حققت ارباحا تجاوز المليار ريال في الربع الثالث من 2020 بارتفاع نسبته (47%؜) عن 2019م وهي نتيجة مذهلة، لم تحظ بالاهتمام المطلوب، ونتيجة لذلك خسر السهم في يوم الاعلان عن هذه النتائج ٤.٤٪؜ ، ونتج عن ذلك خسارة المؤشر لاكثر من 350 نقطة ذلك اليوم.

الحقيقة ان المستثمر لا يلام على اي قرار يتخذه، فالأمر يعود له في النهاية، ولكن الواقع غير ذلك كما ذكرت سابقا، فالاخبار السلبية تتصدر المشهد وتؤثر على الاسواق بشكل واضح، في حين ان الاخبار الايجابية تضيع في زحام الاخبار الاخرى ولا تأخذ نصيبها، ولا تعكس بشكل واضح على اداء الاسواق، ودور المحلل او الكاتب الاقتصادي ايصال الفكرة بشكل صحيح وتبسيطها وعدم اخفاء المعلومة التي قد تغيب عن المتلقي وخاصة الغير متخصص في هذا المجال.

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو