الجمعة 02 جمادى الثانية 1442 - 15 يناير 2021 - 25 الجدي 1399

الذكاء الاصطناعي بين أتمتة العمل وأنسنة الوظائف وأثره على المهن في المستقبل

د. صالحة محمد آل شويل

كانت القمة العالمية للذكاء الاصطناعي لخير البشرية والتي كانت تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والتي عقدت في أكتوبر ضمن باكورة الأحداث لبناء حوار عالمي بشأن إمكانيات الذكاء الاصطناعي ليكون (لخير البشرية جمعاء). والتي شارك أكثر من 200 خبيرٍ وصانع قرار، حيث تضمنت حوارات ذات أهمية عالمية، سواءً من حيث التعافي من الجائحة أو التوجهات في مجال الذكاء الاصطناعي .. لاسيما أن البيانات مع الذكاء الاصطناعي تصنع اقتصاداً مبنياً على المعرفة و ريعياً ينوع مصادر الدخل تحقيقاً لرؤية المملكة، وحول رسالة المملكة للعالم في  هذه القمة علق معالي رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتور عبدالله الغامدي: "نقول باختصار: مرحباً بكم في بيت الذكاء الاصطناعي الجديد للعالم أجمع"، حيث تجمع هذه العبارة كل ما يتعلق بشعار القمة من أن الذكاء الاصطناعي هو للبشرية أجمع، مؤكداً جاهزية المملكة لقيادة الاقتصاد المعرفي وقدرتها على أن تكون محوراً للذكاء الاصطناعي وتبادل الرؤى والأفكار للخروج بصياغة للمستقبل 2030.

C:\Users\salshuweil\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.MSO\22774D87.tmp

ولو رجعنا لنشأة المفهوم الأولي للذكاء الاصطناعي فنجد أنه نشأ في الأربعينات القرن العشرين ووصول الى ما هو عليه بسبب تظافر ستة عوامل منها (بيانات ضخمة- حوسبة حسابيه- منصات وسائل التواصل الاجتماعي- برامج وبيانات مفتوحة المصدر)، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في تقديم الحل لمعظم التحديات التي تواجهها المجتمعات. 

كما يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوقع حجم المحاصيل من الفضاء في أتمتة المجاهر لتشخيص الملاريا وتقديم الدعم للعملاء بلغات متعددة، ويعتقد أكثر من 60% من المستهلكين وصانعي القرارات في الشركات ان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تقديم الحلول لأهم المشاكل التي تواجه المجتمع الحديث بدءًا من الطاقة النظيفة وصولا الى القدرة على التعامل مع السرطان وللأمراض المستعصية كما أنه في تخصيص العقاقير والعلاجات، كما يمكن للتكنولوجيا تحقيق ادخارات تصل الى 8.45 تريليون في قطاع الرعاية الصحية.

 وفي قطاع الطاقة يستطيع الذكاء الاصطناعي خفض استخدام الكهرباء على المستوى الوطني لنسبة 10%. كما تعمل تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي على إيجاد طرق جديدة ومتنوعة لحماية وإدارة المحيطات على نحو مستدام. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في حماية الأنواع المهددة بالانقراض حيث يمكن للأنظمة الجديدة استخدام تحليلات الصور والتعلم الآلي لتتبع أعداد ومواقع الأنواع الدخيلة. 

ويرى الخبراء أن مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والبرمجة ستكون أساسية حيث إن كل ثورة صناعية سوف تؤدي الى خسارة الناس أعمالهم بسبب تلاشي الحاجة الى المهارات التي لديهم، فقبل أكثر من 200 سنه وفي ظل الثورة الصناعية الأولى أدى ابتكار الآلات التي تعمل بالماء والبخار الى الاستغناء عن الكثير من العمال مثل النساجين اليدويين وصانعي الجوارب، وخلافا للثورات الصناعية السابقة زادت الثورة الصناعية الرابعة من الطلب على المهارات بصورة غير متساوية في الوظائف المختلفة من التحول في الطلب يؤدي الى نتيجتين الأولى هي زيادة الطلب على العمالة الأكثر مهارة، مما يؤدي  ذلك الى زيادة التفاوت في الاجر. 

والثانية هي اختفاء بعض الوظائف ونشوء وظائف جديدة، لدلك فإن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه صانعي السياسات اليوم هو إيجاد طريقه لمواجهة عدم التطابق المتزايد بين المطلوب والمعروض من المهارات مما يمكن أن يؤدي في حال عدم معالجته الى إعاقة النمو الاقتصادي وتهديد الاستقرار الاجتماعي، وتبعا لذلك لن يكون بمقدور العاملين بالاعتماد على خبراتهم الميدانية ومعرفتهم التكنولوجية بل سيحتاجون الى البراعة في التواصل والعمل الجماعي والتعاون والتفاهم الثقافي، ومع التركيز العالمي على الذكاء الاصطناعي، قد يكون من غير المفاجئ أن يولى اهتمام متزايد لتأثير الأتمتة التي يدعمها الذكاء الاصطناعي  على أنسنه الوظائف، وتماما مثلما أدت الصورة الصناعية إلى أتمتة العمل الجسدي الروتيني، فإن من المتوقع أن يكون لثورة الذكاء نفس التأثير على عدد متزايد من المهام الفكرية، مما يعني إمكانية ان تؤدي الروبوتات والحواسيب الى مزيدا من الوظائف.

وهدا ما تنبأت دراسات عديدة بفقدان الوظائف بنسب عالية نتيجة للأتمتة في الاقتصادات المتقدمة، كما لاحظت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في المؤتمر الاقتصادي أنه من المحتمل جدا أتمتة نسبة 14% في 32بلد من البلدان المشاركة وأنه من المرجح أن تشهد نسبة 32 % من الوظائف تغيراً كبيرا بسبب التكنولوجيات الآلية. وفي الواقع هناك خلاف كبير بين الاقتصاديين سواء بشأن عدد الوظائف التي من المرجح أن تفقد بسبب الأتمتة كما يشير ذلك كما يشير ذلك تاريخ الثورة الصناعية الى ان عدد فرص العمل التي سيتم توفيرها سيزيد عن عدد الوظائف المفقودة. ولكن السؤال الدي ينبغي ان يطرح؟ مادا سيكون الحال إذا أصبحت الآلات أفضل من البشر في أداء المهام الفكرية، وماذا سيترك للإنسان من مهام؟ كما أن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الاقتصاديون هو أن التغير قادم لامحالة وأن حجمه ونطاقه سيكونان غير مسبوقين.

كما ينبغي على المؤسسات التعليمية تكييف نظام التعليم المحلي لتعظيم فرص الذكاء الاصطناعي وتدنية مخاطرة. ففي حين أن المهارات في مجالات العلوم والرياضيات والتكنولوجيا والهندسة ستكون مهمة للغاية في عالم العمل في المستقبل، فإنه لا ينبغي أن تضع الأنظمة التعليمية قيودا لنفسها بحيث تحصر تركيزها على هده المهارات فقط ويجب أن تقدم منهجاً تدريبياً تطلعياً ذو نظرة مستقبلية من حيث مهارات الإبداع والعلاقات الشخصية والتي ستكون أقل عرضة للأتمتة في المستقبل ومهارات التعلم مدى الحياة والتعلم الذاتي للطلبة والذي سيشكل جزءا من مرونة وقدرة على التكيف للنجاح في الاستمرار في مكان العمل في المستقبل.

‏أكاديمية وكاتبة رأي ومستشارة وعضو في العديد من الجمعيات المهنية والتطوعية التعريف [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه احمد العتيبي في 11/12/2020 - 12:43

مقال جدا رائع؛ ونتمنى حقيقه أن يناقش هذا الموضوع على مستوى عالي في الدوله؛ لإيجاد الحلول لجميع التحديات التي سوف تكون في المستقبل.

أضافه محمد العقيلي في 11/12/2020 - 16:35

مقال عميق ويحتاج الى مؤتمرات لمناقشته. شكرا للكاتبة والصحيفة.

إضافة تعليق جديد

الفيديو