الثلاثاء, 18 مايو 2021

د. سعيد الشيخ في تقرير عن الاقتصاد السعودي .. اختلالات ميزان المدفوعات والاثار المالية

تأتي أهمية ميزان المدفوعات للمملكة كونه المرآة العاكسة لحجم الترابط في المعاملات التجارية والاستثمارية والمالية بين اقتصاد المملكة وإقتصادات الدول الأخرى، و مايترتب عليها من إستحقاقات مالية متبادلة يتعين تسويتها إما في الوقت الراهن أو في المستقبل. كما أنه يعطي نظرة شمولية للتعرف على نقاط الضعف والقوة للموقف الخارجي لإقتصاد المملكة وتأثير المتغيرات فيه على إستقرارالميزانية العامة للدولة ومستويات الإحتياطيات الأجنبية و كذلك على نمو  الناتج المحلي الإجمالي. 

اقرأ أيضا

و بناءً على أحدث إصدارات البنك المركزي السعودي، فقد سجل ميزان الحساب الجاري عجزاً كبيراً بلغ 67.42 مليار ريال في الربع الثاني للعام 2020 مقارنة بفائض قدره 8.34 مليار ريال في الربع السابق، وفائض قدره 42.86 مليار ريال في الربع الثاني للعام 2019. لا شك أن هذا الإختلال و بهذا الحجم يمثل حالة طارئة لا تتفق مع المستويات المعتادة للتقلبات الاقتصادية التي شهدتها أسواق النفط من ناحية أو التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط  من ناحية أخرى، بل هي جاءت نتيجة تداعيات أزمة كورونا، حيث أدّت الإجراءات الإحترازية في تقييد حركة السفر وإقفال الأنشطة الإقتصادية إلى إنهيار الطلب العالمي على النفط، مما تسبب في التراجع الحاد للأسعار بنسبة بلغت 55% للربع الثاني 2020 على أساس سنوي.

لقد أدّى هذا الإنهيار في أسعار النفط وتراجع الطلب العالمي إلى الإنخفاض الكبير في قيم الصادرات النفطية للمملكة التي تراجعت بنسبة 61.8% على أساس سنوي لتبلغ 74.7 مليار ريال في الربع الثاني 2020 مقارنة مع 195.8 مليار ريال لنفس الفترة من عام 2019. وقد انعكس ذلك على الإيرادات الحكومية النفطية التي تراجعت بنسبة  45.3% للربع الثاني مقارنة مع نفس الفترة للعام السابق. ولمعالجة هذا الإختلال في الميزان التجاري، اختارت الحكومة إستخدام أدوات السياسة المالية حيث قامت برفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، والتي تم تطبيقها إبتداءً من يوليو 2020، وذلك لما توفره هذه الأداة من مرونة في المراجعة والتعديل بالمقارنة إلى أدوات السياسة النقدية، مثل خفض سعر الصرف، خصوصاً وإن حالة الإختلال هذه تعتبر طارئة، إذ من المتوقع تعافي الاقتصاد العالمي وأن تواصل التجارة العالمية انتعاشها حتى العام القادم 2021، مع الإرتفاع التدريجي للطلب على النفط إلى جانب تحسن مستويات الأسعار. 

غير أن اعتماد الميزانية العامة على الإيرادات النفطية التي هي عرضة للتقلبات كما كان عليه الحال خلال السنوات السابقة، وإن لم يكن بمستويات هذه الحالة المرتبطة بوباء كورونا، فإن هذا الأمر يستدعي ترشيد كفاءة الإنفاق من ناحية، وتنويع مصادر الدخل للميزانية وبناء إحتياطيات نقدية لمعالجة حالات التراجع في الإيرادات النفطية والإختلال في الحساب الجاري من ناحية أخرى. وبرغم أهمية برنامج التوازن المالي الذي أعلن عنه في 2016 كأحد برامج  رؤية 2030 نحو تحقيق ميزانية متوازنة بحلول 2020  و من ثم تم تعديله وتمديد التوازن بين الإيرادات والنفقات إلى 2023، يتطلب إعادة النظر فيه لرفع كفائته في مواجهة صدمات أسعار النفط وتحقيق التوازن مابين الإستقرار المالي والنمو الاقتصادي في  المدى القصير و مراعاة إلتزامات خدمة الدين وسداد أصل الديون على المالية العامة في المدى المتوسط والطويل. وقد إتضحت أهمية مراجعة برنامج التوازن المالي وذلك بالنظر إلى التفاوت الكبير بين معدلات نمو النفقات بالمقارنة لنمو الإيرادات، والذي أدّى إلى استمرار ارتفاع مستويات العجز المالي السنوي ليبلغ إجماليها 1.04 تريليون ريال من بداية تطبيقه وحتى الربع الثالث من عام 2020. لقد أدّت هذه العجوزات المالية إلى السحب من الإحتياطيات الحكومية وإلى إصدار سندات محلية ودولية بلغ إجماليها 847 مليار ريال بنهاية الربع الثالث  2020. 

وأما مايخص الصادرات غير النفطية فهي الأخرى قد تراجعت بنسبة 25.3% في الربع الثاني 2020 على أساس سنوي، حيث بلغت 41.9 مليار ريال بالمقارنة مع 56.2 مليار ريال لنفس الفترة في عام 2019، وذلك نتيجة القيود اللوجستية فيما يتعلق بالإنتاج والتوزيع للسلع بهدف الحد من إنتشار وباء كورونا في معظم إقتصادات دول العالم. وفي جانب الواردات، فقد تراجعت بنسبة 23% بالمقارنة إلى تراجع إجمالي الصادرات بنسبة 56.3% على أساس سنوي لتبلغ 106.8 مليار ريال في الربع الثاني 2020 مقارنة مع 138.9 مليار ريال لنفس الفترة في السنة السابقة. ويتبين من هذه الأرقام مدى اعتماد الإقتصاد السعودي على الواردات، حيث بلغت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات 39% فقط، مما يعني الأهمية البالغة في تنويع القاعدة الإنتاجية للإقتصاد السعودي بما يحقق زيادة الصادرات غير النفطية من ناحية وتقليل الإعتماد على الواردات في مواجهة إختلالات ميزان الحساب الجاري من ناحية أخرى. 

-الميزان التجاري، بإستثناء الصادرات النفطية
  

وعلى مستوى تجارة الخدمات، فقد سجلت عجزاً بمقدار 47.89 مليار ريال في الربع الثاني 2020، لينخفض بنسبة 1.7% على أساس سنوي عن مستواه في الربع الثاني 2019. وبإستثناء خدمات الإتصالات، فقد سجلت جميع مكونات حساب الخدمات والتي تشمل النقل، الشحن، السفر، خدمات التشييد، خدمات التأمين والتقاعد، والسلع والخدمات الحكومية عجوزات خلال الربع الثاني 2020. كما لا تشير هذه العجوزات وهي سمة دائمة لحساب الخدمات في ميزان المدفوعات إلى تغيرات كبيرة عند مقارنتها على أساس ربعي للسنوات السابقة فيما عدا فئة السفر الذي جاء العجز فيه كبيراً حيث بلغ 5.16 مليار ريال، والذي يعزى بشكل أساسي إلى توقف نشاط العمرة وإيقاف حركة الطيران وإجراءات التباعد الإجتماعي. وقد شكّلت فئة السلع والخدمات الحكومية الأكبر عجزاً والذي بلغ 17.86 مليار ريال خلال الربع الثاني 2020، والذي يعكس بتفاوت نسبي نفس مستويات هذا العجز على أساس ربعي للفترات السابقة. 

إن ميزان المدفوعات يتطلب أيضاً دراسة العلاقة بين الوضع المالي والتدفقات الرأسمالية للخارج. وقد سجل الحساب   المالي عجزاً بلغ 65.85 مليار ريال في الربع الثاني 2020، وجاء هذا العجز نتجة التغير الكبير في الأصول الإحتياطية التي سجلت إنخفاضا بمقدار 97.29 مليار ريال، مقارنة مع فائض بمقدار 53.15 مليار ريال في نفس الفترة من العام السابق. وفي حين أن فئة الإستثمار المباشر حققت إنخفاضاً بمقدار 6.37 مليار ريال، فإن فئة إستثمارات الحافظة والتي تشمل أسهم صناديق الأستثمار وسندات الدين وكذلك فئة الإستثمارات الأخرى والتي تشمل الإئتمان التجاري والودائع والقروض، سجلتا 13.49 مليار ريال و 24.32 مليار ريال خلال الربع الثاني 2020، على التوالي .  

-الإستثمارات المباشرة

وإن السحب من الأصول الإحتياطية يرتبط بميزان السلع والخدمات، حيث أنه يموّل الإنفاق على الواردات والتي لم يتراجع الطلب عليها بالقدر الذي انخفضت فيه الصادرات، ففي حين تراجعت الواردات بنسبة 23%، تراجعت الصادرات بنسبة 56%. كما أن تحويلات العاملين جاءت على عكس التوقعات، فقد ارتفعت بنسبة 7% على أساس سنوي إذ بلغت 28.99 مليار ريال في الربع الثاني 2020، وذلك على الرغم من إنخفاض أعداد العاملين غير السعوديين خلال العامين الماضيين بعد تطبيق رسوم العمالة الأجنبية على أصحاب الأعمال وعلى المرافقين. 

– تحويلات العاملين

إنه وفي ظل استمراراعتماد المملكة على الواردات السلعية والخدمية بهذه المستويات التي هي عالية بالمقارنة للصادرات غير النفطية مع ثبات سعر الصرف للريال، فإن الميزان الجاري سوف يبقى رهناً للتقلبات في أسواق النفط بين فوائض أحياناً و عجوزات أحياناً أخرى. غيرأنه قياساً على أوضاع السوق النفطية خلال الأعوام الخمسة الماضية واستشراف التوجهات المستقبلية لأسواق النفط فإنها تشير إلى إستمرار هذه التقلبات مع بقاء الأسعار في نطاق 45-55 دولار للبرميل للسنوات القادمة. و هذا يعني أن إحتمالات تحقيق عجوزات أكثر منها في تحقيق فوائض في الميزان الجاري، ما يمثل تحدياً لسياسة المالية العامة في تمويل عجوزات الموازنات من ناحية و الأخذ في الحسبان حجم الإلتزامات المستقبلية من ناحية خدمة الدين العام وسداد أصل الدين. 
 

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد