الأربعاء 14 جمادى الثانية 1442 - 27 يناير 2021 - 07 الدلو 1399

معاً للنهوض بالقطاع الثالث ( ٢)

د. نجلاء الحقيل

‎في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثت عن كيف كان القطاع الثالث أو ما يسمى بالقطاع الغير ربحي قطاعاً مكلفاً على بريطانيا و أمريكا. كما أنه كان غير مساهماً في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما تكلمت عن الخطة التي رسمها كلام امريكا و بريطانيا لرفع معدل انتاجية ومساهمة هذا القطاع في شتى المجالات. وكما نعلم، أن تصحيح وضع القطاع الثالث يعني منحه المزيد من الصلاحيات التي تسمح له بالحركة وفقا للإطار القانوني و النظامي بحيث لا يشكل عبء على ميزانية الدولة التابع لها، ويساهم في الناتج المحلي واستدامة المشاريع الاجتماعية. 

‎هذه الصلاحيات عالجت وصححت وضع القطاع الغير ربحي، حيث أصبح هناك تحول في التمويل الحكومي للمنظمات غير الربحية من المنح المالية الحكومية إلى العقود حيث أصبح القطاع الغير ربحي قادر على الإنفاق على نفسه. هذه الخطوه كانت لها مساهمة ملحوظة، لكن المشرعين لاحظو انه يجب ان يتم رفع معدل المراقبة لعملية الأداء والتنظيم والتفتيش.  مثلا، في المملكة المتحدة ، أدى الانتقال من المنح المالية الحكومية للصرف على القطاع غير الربحي إلى إعطاء هذا القطاع صلاحية الدخول في عقود المنافسات. ونتيجة لرغبة العديد من المنظمات التطوعية وغير الربحية في تطوير مصادر جديدة للدخل، أصبحت هذه المنظمات تتهافت على الأنشطة التجارية ، وبالتالي أصبحت هذه المنظومات الغير ربحية بمثابة شركات، فعملت على تطوير هياكل حوكمة أكثر تعقيدًا ومتعددة المستويات، لانها اصبحت مؤسسات غير ربحية تشابه الشركات القابضة من خلال إنشاء شركات فرعية تجارية. نتيجة لهذا التعقيد، خاصة ان الهدف من القطاع الغير ربحي ليس تحقيق العوائد المالية على من انشائها او على اعضاء مجالس ادارتها، فاصبحت الحوكمة التي تطبقه على القطاع الخاص ليست كافية لادارة القطاع الغير ربحي بشكل جيد. فواجهت مجالس الادارة تحدي هام متمثلا في تحقيق التوازن بين الأهداف الاجتماعية والتجارية والإشراف على عملية الادارة التي أصبحت أكثر تعقيدًا.  دفعت هذه التغييرات بعض الباحثين إلى التساؤل عن مدى استقلالية هذه التغييرات تدفع الى التساؤل حول كيفية مواجهة مثل هذه التحديات التي تجعل الخط الفاصل بين القطاع الربحي و الغير ربحي و العام يشوبه الضبابية. خاصة في حالة كانت مؤسسة القطاع الثالث من المؤسسات المتوسطة والصغيرة التي لا يتمتع أعضاء مجلس إدارتها بالخبرة الكافية لإحكام إدارتها والتعامل مع مخاطر ومتطلبات هذه البيئة التجارية. من ضمن التحديات أيضا هو كيف يمكن ضمان استقلالية القطاع الثالث عن القطاعات الأخرى.  

‎في بريطانيا ، على سبيل المثال ، أنشأت مؤسسة بارينغ لجنة لدراسة كيف يمكن للقطاع حماية استقلاليته.  انتجت هذه اللجنة تقرير عبرت فيه عن مخاوفها بشأن "الحالات التي يبدو فيها أن الدولة تمارس تأثيرًا لا داعي له على حوكمة المؤسسات الخيرية" وأوصت بأن تعطي المجالس صلاحيات مستقلة بعيدا عن الضغوط الخارجية التي قد تؤثر على اسلوب ادارتها.  كما دعا التقرير إلى تحسين التنظيم والضمانات لحماية استقلالية القطاع ومساعدة القطاع الثالث على ادارة مؤسساته وحكومتها بما يتناسب مع طبيعة هذا القطاع.  ومن النتائج الأخرى لإصلاحات الآلية اعتراف الحكومة بضرورة مشاركة القطاع الثالث بأداء بعض المهام بشكل "مشترك" ، يتم تحقيقه جزئيًا من خلال تطوير الشراكات مع المنظمات في كل من القطاعين الخاص و العام، انتقالاً إلى "الحوكمة المشتركة او العلائقية مع قطاع آخر. نتيجة لذلك ، شاركت العديد من المنظمات التطوعية وغير الربحية بشكل متزايد في التعاون مع الهيئات العامة على المستويين المحلي والوطني.  وقد اتخذ هذا النوع من التعاون من شراكات غير الرسمية إلى شراكات رسمية ذات الاختصاصات والهياكل المتفق عليها. 

وبالتالي، القطاع الثالث في المملكة هو قطاع بالغ الاهمية يحتاج الى دراسة أوضاعه بشكل يسمح بتطويره ليكون بمثابة قوة اقتصادية من خلال تحويله الى مؤسسات وشركات مشابهة للقطاع الخاص من الناحية الاقتصادية ومشابه للقطاع العام من ناحية الخدمات المقدمة والإسهامات المجتمعية. وضمان استقلاليته بشكل يجعله قادر على حوكمة وادارة نفسه تحت رقابة الدولة من الناحية النظامية والادارية.
 

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد Na[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو