الأربعاء 14 جمادى الثانية 1442 - 27 يناير 2021 - 07 الدلو 1399

هل تستمر الليبرالية الجديدة مع الأزمة الاقتصادية العالمية؟ (1)

د. نجلاء الحقيل

العلماء والمفكرين لا يقلبون الصفحات قبل أن يراجعوها ويحصرون الأخطاء ليصححوها، ثم تقلب الصفحات لتبدأ مسيرة جديدة. عند استعراض التاريخ، نجد أن النظم الاقتصادية المعمول بها حالياً والقوانين المالية هي عبارة نتاج نظريات سياسية واقتصادية وقانونية، عملوا بها في قرن من القرون، وقد لاقت نجاحاً و رواجاً في وقتها، ولكن هذا النجاح يذوب في المجتمع عندما تظهر نتائج التطبيق لهذه النظريات. بالطبع، لا يمكن أن نصل لهذه المرحلة اليوم من التطور الاقتصادي و المالي والحقوقي لولا المعاناة التي تكبدتها السياسات والبشرية جراء هذه النظريات. من أهم النظريات التي أثرت على النظام الاقتصادي والسياسي والمالي العالمي هي الليبرالية. 

وفي هذا المقال، سوف اوضح مفهوم هذا المصطلح ليكون أساس للمقالات القادمة بما يخص النظام القانوني العالمي وتأثيره على صنع سياسات رؤية 2030.

الليبرالية الكلاسيكية هي فلسفة سياسية وأيديولوجية تنتمي إلى الليبرالية حيث يتم التركيز بشكل أساسي على ضمان حرية الفرد من خلال الحد من سلطة الحكومة. ظهرت الفلسفة كرد فعل للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر في أوروبا والولايات المتحدة. الليبرالية الكلاسيكية تدافع عن الحريات المدنية مع وجود حكومة محدودة في ظل حكم القانون والملكية الخاصة والإيمان بالسياسة الاقتصادية "دعه يعمل". الليبرالية الكلاسيكية مبنية على الأفكار التي ظهرت بالفعل بحلول نهاية القرن الثامن عشر ، مثل آدم سميث ، وجون لوك ، توماس مالتوس ، وديفيد ريكاردو. لقد استند إلى الفهم النفسي للحرية الفردية والاقتصادية والتنافس بين الأفراد. تبنت الليبرالية الكلاسيكية فكرة "التقدمية" و التي تعني الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل متدرج. 

وبشكل عام، الليبرالية الكلاسيكية هي مذهب يدافع عن الملكية الخاصة، والسوق الاقتصاد الحر، و دولة القانون، و الضمانات الدستورية للحريات بشكل عام وبالتالي، فكان هدف الليبرالية السامي هو منفعة المجتمع والقضاء على البيروقراطية، لكن ترتب على تطبيق هذه النظرية الكساد الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة. مما أدى إلى اتجاه جديد لليبرالية وأصبحت تسمى بالليبرالية الاجتماعية أو الليبرالية الجديدة new liberalism وهذا يعتبر مذهب مختلط يدعو الى التوفيق بين حقوق الفرد و المجتمع من خلال تدخل الدولة في السياسة و الاقتصاد والرعاية الاجتماعية بشكل كبير. 

وترتب على ذلك حدوث ركود اقتصادي خلال القرن العشرين مما دعا العلماء والمختصين الى اعادة احياء الليبرالية الكلاسيكية و تطويرها ليصبح لدينا مفهوم الليبرالية الحديثة على يد الاقتصادي الكسندر روستوف في عام 1938م. يقصد بهذه بالليبرالية الحديثة او ما تسمى ب neoliberalism ،وهي تختلف عن الليبرالية الجديدة، وهذه تبنت الفكر الكلاسيكي من خلال تقليص تدخل الحكومة في الاقتصاد بقدر الإمكان وصناعة الاقتصاد الحر من خلال إلغاء القيود على التجارة والاقتصاد ونظام العمال، وفرض الضرائب ، في حين أن الدولة بإمكانها التدخل في التجارة الخارجية عن طريق فرض الرسوم الجمركية وغيرها وذلك لخدمة الاقتصاد الداخلي. والدولة مسؤوليتها تكمن فقط في حفظ الحقوق ورسم السياسات وفرض القوانين وبناء المؤسسات التي تخدم هذه الرأسمالية المطلقة. من أهم نتائج النيوليبرالية التخصيص، وما يترتب عليه من مميزات وعيوب.

 وعلى الرغم من أن معتنقي هذا المذهب أبرزوا محاسنه، إلا أن عدد من الاقتصاديين والسياسيين يرون أن نهاية هذا المذاهب شارفت على الانتهاء إذ أنها تؤدي الى تكديس الثروات والقضاء على القيم الاخلاقية من خلال تشجيع الجشع الذي يخلق مشاكل اقتصادية وسياسية وقانونية وغيرها من العيوب التي هي الآن موضوع نقاش بين المختصين. 


ومن هنا، يرى الكثير من المختصين أن عصر النيوليبرالية قد شارف على الانتهاء للمشاكل التي تولدت عنه.  وفي هذا المقام، الهجوم على مثل هذه النظريات من وجهة نظري غير صحيح، وإنما الذي يجب علينا هو انتقادها واكتشاف مساوئها، لنتمكن من إنتاج نظريات ونهج نستند عليه لصناعة سياساتنا بما يتناسب مع ظروفنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. 

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو