الجمعة 02 جمادى الثانية 1442 - 15 يناير 2021 - 25 الجدي 1399

الأزمة الاقتصادية وحمى كوفيد والليبرالية؟ (2)

د. نجلاء الحقيل

في مقالنا السابق، تحدثت عن مفهوم الليبرالية بأشكالها الثلاث، الكلاسيكية و new liberalism و neoliberalism. تعتبر الليبرالية فلسفة سياسية وأيديولوجية تركز بشكل أساسي على ضمان حرية الفرد من خلال الحد من سلطة الحكومة وتقليل القيود الاقتصادية وخفض الضرائب على الأغنياء، وتعزيز قيمة المال وجعله فوق كل شئ. بالطبع، الليبرالية وجدت بسبب حاجة اقتصادية وسياسية، وتم استخدامها لحل مشاكل وأزمات كثيرة في وقت ما. ولكن يتغير شكلها في كل حقبة زمنية حسب الازمات التي تواجهها، مثل ازمة البطالة، ازمة العنصرية، الازمات البيئية ..الخ. لكن كيف سيؤثر وباء كورونا على مفهوم النيوليبرالية؟ هذا الوباء في حد ذاته ليس هو التغيير، ولكن هذا الوباء عرى لنا سلبيات النيوليبرالية بشكل أكبر.

قبل ازمة وباء كورونا، تعالت اصوات الاقتصاديين عن سلبيات neoliberalism من حيث تأثيرها على بطء النمو الاقتصادي وتراكم الثروات في فئة محدودة جدا من البشر. لكن في الحقيقة، هذه ليست المشكلة فقط في ايدلوجية النيوليبرالية، المشكلة هي أن النيوليبرالية توجه جل اهتمامها وتركيزها على الثروة والاقتصاد، وتغفل أهمية الإنسان الذي يساهم في صنع هذه الثروة. فمثلا في كثير من الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، طبقت نظام التخصيص على القطاع الصحي بشكل كامل، مما يجعل الرعاية الصحية امتياز يحصل عليه بعض الناس ممن يملكون وظائف، كما ان الرعاية الصحية التي يتلقاها الموظف يختلف مستواها باختلاف المركز الوظيفي والعمر وغيرها من الاعتبارات، مما يعدم المساواة في تقديم خدمة أساسية للمواطنين والتي يجب أن ترعاها الدولة، وهذه احدى صور الليبرالية الاقتصادية. خلال أزمة COVID 19، اضطرت الدول أن تتخلى عن مبادئ النيوليبرالية، وتجبر اصحاب المال والتجارة ايضا على اغلاق أماكن العمل والمراكز التجارية وتعطيل بعض الأعمال الاقتصادية، وهذا يعتبر تحدي صريح لهيمنة الأسواق و التبادل الاقتصادي على الحياة. 

على الرغم من أن القطاع الصحي في الكثير من دول العالم يدخل تحت مظلة التخصيص ويرعاه القطاع الخاص بشكل كامل او شبه كامل، الا ان الحكومات بادرت لتقديم المعونات لهذا القطاع بشكل كبير، بل انها اخذت من ميزانيات قطاعات اخرى لدعم القطاع الصحي. ولدينا مثال حي، عندما أنكر الرئيس الامريكي ترمب خطورة فيروس كورونا وادعى ان الامريكيون يتوفون سنويا بأعداد كبيرة من الانفلونزا الموسمية، وان الكورونا هي احدى أشكال الأنفلونزا الموسمية، ولكن ازدياد اعداد الاصابات، صعوبة توفير الرعاية الصحية للمصابين، وارتفاع عدد الوفيات يوميا، جعله يرضخ للحقيقة بأن الاغلاق و الدعم للقطاع الصحي أمر ضروري وحتمي لمواجهة هذه الازمة حتى لو تسببت بخسارة اقتصادية واضعاف عملية التبادل الاقتصادي. في ايرلندا، جعلت الفحص المشتبه بإصابتهم مجاني، اسبانيا كذلك دفعت الدولة قيمة غرف العناية الخاصة لمعالجة المرضى بشكل مجاني على الرغم من أن القطاع الصحي لديهم مخصص ويجب ان تدفع مقابل الخدمة الصحية التي تقدم للمريض. بسبب الازمة الصحية التي أصابت الكرة الارضية، الدول اضطرت انها تدعم القطاعات الحيوية. 

ايضا، خلال فترة الإغلاق، وضمن مقاومة بعض الدول لهذا الموضوع، قام خلاف كبير حول مفهوم الخدمات الاساسية، حيث ان بعض الدول ترى أنه ليس من الداعي اغلاق جميع الانشطة وترك الخيار لصاحب النشاط بشرط ان يتقيد بالاحترازات الصحية، في حين دول اخرى اغلقت جميع الانشطة وأبقت فقط على الانشطة التجارية الغذائية، وهذه تعتبر ازمة اخرى ستؤثر بشكل كبير على مفهوم النيوليبرالية.

كذلك، من المشاكل التي أبرزها كوفرد هي ان رجال الاعمال في الأوضاع العادية، لا يولون مراكز الأبحاث والعلماء اهتمامهم من حيث تقديم الدعم المالي والرعاية. 

وهذا الامر اثر بشكل كبير على إيجاد لقاح للوقاية من كورونا، حيث ان مراكز الأبحاث تعاني من نقص في الموارد المالية، ولكن بسبب الازمة ضخوا رجال الاعمال أموال ضخمة لدعم الأبحاث في هذا المجال لإيجاد لقاح للقضاء على الوباء، ولان الصحة العامة تزعزعت وترتب عليها زعزعة اقتصاد الكرة الارضية بأكملها. بالإضافة الى ذلك برزت مشكلة ضآلة مقدار ما يتلقاه الممارس الصحي نظير أعماله ودوره البطولي ، فيثير الكثير من علماء الاقتصاد ان المقابل المالي للطبيب الممارس الصحي بالمقارنة مع العاملين في المجالات الاقتصادية، لا يتناسب مع الخدمة التي يقدمها للاقتصاد حيث انه هو من يحافظ على الصحة العامة والتي تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على النمو الاقتصادي.

قبل كوفيد، كان هناك بوادر التغير الذي سيطرأ على النيوليبرالية، ولكن كوفيد، جعل علماء الاقتصاد و السياسة يرون سلبيات جديدة النيوليبرالية، والتي تحتاج الى اعادة تشكيل لتحقيق نمو اقتصادي أفضل، وتقليل الطبقية في المجتمعات والتي تؤثر سلباً ليس فقط على الاقتصاد وإنما على الاستقرار السياسي والاجتماعي. واعتقد انه لا يمكن التكهن بالتغيير الذي سيطرأ مستقبلاً في وقتنا الحاضر لاننا لازلنا في خضم الازمة ولم ننتهي منها بعد، فالصورة ليست مكتملة، ولكن بكل تأكيد لن تستمر الايدلوجية السياسية والاقتصادية التي تحكم العالم الآن بنفس النهج.

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو