الجمعة 02 جمادى الثانية 1442 - 15 يناير 2021 - 25 الجدي 1399

كيف يحدث الاحتراق الوظيفي ؟ وهذه رسالتي إلى المدراء

عبد الرحمن احمد الجبيري

تُشكل الصراعات والضغوط في العمل أحد أخطر المنعطفات الإنتاجية والاقتصادية التي تكبح جماح العوائد الإيجابية للأداء الوظيفي والمهني حيث تتفاقم الاعباء المالية والفنية التي توصل في نهاية المطاف الى الخسائر وارتفاع التكاليف وفقدان الوظائف وهدر أوقات العمل.
عدم الثقة بالموظفين وتقويض امكاناتهم وضعف التكامل الإداري بين محاور المنظومة يُضيّق مساحات التميز والابداع ويُبقي الموظفين على كراسي الانتظار للراتب حتى آخر الشهر لا اكثر او النظر المستمر الى الساعة لمعرفة الوقت المتبقي للانصراف في كل أيام العمل ، هذه الثقافة الراسخة للأسف في نمط معظم المنظمات تتحملها القيادات الإدارية فمن غير المنطق ان يقابل أي عمل متميز بالجحود او النكران او حتى اللامبالاة هذه الواقعية تنطبق على كافة الأنشطة الاقتصادية والإدارية التي تدار كيفما اتفق او حسب المزاج العام لبعض المدراء .

ولتبسيط مفهوم الاحتراق الوظيفي فإنه يعني ان احد الموظفين كان متميزاً مبدعاً مبتكراً لآليات عمل جديدة ملتزماً بساعات ومهنية الوقت ولكن لأنه لم يجد الدعم والتحفيز تحول لا شعورياً الى موظف مُحبط لا مبالي مُنهك نفسياً لأنه وصل حسب المصطلح الشعبي الى مقولة ( ما تفرق معي ) !

الاحتراق الوظيفي Occupational burnout حسب تعريف منظمة الصحة العالمية هي : متلازمة من الأعراض الناتجة عن عدم التعامل الجيد مع ضغوط العمل المزمنة وتتصف بـ(فقدان الطاقة العملية والإرهاق والتعب، والشعور بالإحباط والسلبية والتشاؤم تجاه العمل، وعدم الالتزام بالمهنية والإهمال).

نتائجه ..

يؤدي الاحتراق الوظيفي الى العديد من المتاعب مثل : اللامبالاة وتبلد المشاعر والإحساس بنقص الطاقة ، التعب، اتساع الفجوة الذهنية للوظيفة مما يقلص الفعالية ، تدهور في أداء المنظمة وارباحها الناجمة عن الضغوط والصراعات وتشتيت التميز على هذا النحو ..

الموظف أولاً أم المنظمة؟

الانخراط في العمل والحرص على تأديته على أكمل وجه، أمر إيجابي يساعدنا على سرعة تحقيق طموحاتنا العملية، لكن المبالغة في الاهتمام بمهام العمل والتشبع بمشاكله وضغوطه قد يدفعنا إلى الدخول في مرحلة الاحتراق الوظيفي الذي سيضاعف الإنهاك الفكري والعاطفي والجسدي فتكون النتيجة اكثر تعقيداً ، يقول موقع بينزنس إنسايدر الأمريكي، إن السبب الرئيسي التي توصل الى مرحلة الاحتراق الوظيفي هو الاختلال بين المُدخلات والمُخرجات، أي أن الموظف يُعطي لعمله أكثر مما يأخذه منه فيُهمل حياته الشخصية إضافة الى فقدان العاطفة والانتماء نحو العمل.

اعلم جيداً ان هناك الكثير من الموظفين قدموا جهداً ووقتاً كبيراً في أداء أعمالهم وتجاوزوا الدور المطلوب منهم الى ابعد من ذلك ، واعلم جيدا ان هناك موظفاً واحداً يقوم بعمل ثلاثة وأربعة موظفين وفي المقابل هناك عدد من الموظفين اشغلتهم وجبات الإفطار والاحاديث الجانبية والهاتفية والخروج المتكرر من مقار العمل إما لغياب ثقافة العمل او لعدم احترام المهنية والمجتمع الوظيفي او لنقص في المهام وتوزيعها بالشكل الصحيح داخل بيئات العمل أو لأن الموظف المتميز والغير مرضي على حدٍ سواء .. واضف لذلك العلاقة السلوكية بين الموظف والمستفيد والتي عادة ما تنجم عن تركيبة من التعقيد كيفما يراها الموظف ، كل ما سبق ما كان له ان يحدث لو أن هناك التزام اخلاقي في عمليات التقييم والعدالة الوظيفية التي ينشدها الجميع.

في اعتقادي هناك ثلاثة محاور رئيسية للتقويم والتغيير المؤسسي يصب أولها في ثقافة المنظمة والتي يجب ان تعمل على تغيير النمط الإداري على نحو من السياسات المنصفة وسلسلة من الإجراءات التي تطور من المهام والحوافز والثناء والثاني يتمثل في اختيار القيادات والمدراء ممن لديهم الحس المهني العالي الذي يُوظف وفق استراتيجيات وقائية عادلة ومتساوية في الانصاف والتشجيع واستدامة الموظفين الاكفاء والتي بمقدورها ايضا ان تُذيب أي صراعات او ضغوط و ان تكون لديها القدرة على توزيع الأدوار وتدفقها بكل مرونة ونجاح اما المحور الثالث فيخص الموظف والذي يعتبر العمود الفقري للمنظمة مما يتطلب معه الالتزام بالدور الوظيفي المطلوب منه والتخطيط الجيد لتنفذه وترتيب أولويات العمل واوقاته.

لطالما تكبدت دون ان تشعر الكثير من المنظمات أموالاً طائلة جراء ضعف الأداء او القصور الحاد في تقسيم المهام صحيح ان هناك تحسن كبير في جودة الاعمال والرقابة والمهنية في المجمل لكن الجزئيات السلبية الصغيرة اشبه ما تكون بالعشبة الضارة في حديقة خضراء مما يتطلب الاهتمام بها والعمل على وضع العلاج المناسب لها.

إن غياب العدل بين الموظفين وعدم التوزيع العادل في الأعمال بين الموظفين، وعدم الوضوح في المهام، وغياب الدعم والحوافز من المديرين، احد اهم مسببات الاحتراق الوظيفي لدى الموظفين وما يواجهونه من ضغوط.

مجمل القول : اذا تجاوزنا الأعباء المالية على المنظمات مثل الخروج من الوظائف والاجازات المرضية وضعف المخرجات التي تلقي بظلالها على عوامل أخرى مترابطة مع بعضها البعض والتي تتكبدها تلك المنظمات جراء الاحتراق الوظيفي فإننا أيضا امام أعباء أخرى تتعلق بالتكاليف الصحية ففي بحث قامت به جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الامريكية وجدوا ان هذه التكاليف تصل الى 190 مليار دولار وتخلف اكثر من 120 الف حالة وفاة سنوياً ورسالتي الأخيرة الى المدراء قف الى جانب موظفيك امنحهم الشعور بالحب قلل من مستويات اجهادهم نشّط الحوافز واخلق لديهم روح الفريق وتذكر بأن الاجازات بما فيها عطلة نهاية الأسبوع هي حق مكتسب للموظف للخروج من اعباء وظيفته وليسترجع فيها قواه للعودة بحيوية اكثر فلا تشتت هذه الطاقة بأي عمل او تكليف خلال ذلك .

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو